نجحت مصر في المرور من فخ الربيع العربي، وتجنبت المصير الأسوأ الذي لاقته عدد من الدول ولم تمر منه حتى الآن، برهنت مصر على هذا النجاح بالسير في عدة طرق متوازية، ليس أصعبها طريق التنمية الشاملة، ولا أخطرها الحرب التي خاضتها مصر لسنوات ضد الإرهاب في سيناء، ولا أشرسها التعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية المتتالية، والتي تستهدف إعادة صياغة خارطة الإقليم بالكامل، وإسقاط دول وإقامة أخرى، بقصد تنفيذ الأوهام الصهيونية في المنطقة، وحرمان شعوبها من مواردهم الاقتصادية، ومنعهم من امتلاك أي من أسباب القوة.
ورغم أن النيران قد انطفأت، ونجاة مصر بأقل الخسائر الممكنة، إلا أنه ما زال هناك بعض من الدخان الذي ينبعث من رماد هذه المؤامرة، ما زال بيننا بعض ممن يتوهمون بالعودة إلى الفوضى من جديد، ويمارسون العرض الانتقائي لنتائج معركة التنمية، مستغلين تأثير الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ عام 2020 حتى اليوم، والتي تتعقد يومياً نتيجة للصراعات الدولية والإقليمية التي أصبحت خطراً على استقرار النظام الاقتصادي الدولي نفسه، وتنتج تضخماً مستورداً ناتجاً عن تأثر كافة الأسواق بهذه الصراعات المسلحة.
كانت هذه المقدمة ضرورية لفهم تشنجات البعض ممن انزعجوا لافتتاح السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية، والذي يُعتبر بمثابة بث الروح في العاصمة الإدارية الجديدة، وتفعيل لكل ما سبق العمل عليه من مشروعات لتطوير البنية التحتية، بما يضمن نجاح الدولة المصرية في استعادة مختلف أنواع السيادة، ويمنحها القدرة على التوقع والاستنتاج واتخاذ القرار المناسب لمواجهة كافة الأخطار والتهديدات التي قد تواجهها في المهد، وقبل أن تتطور وتنمو وتشكل خطورة محتملة على بقاء مصر، أو المساس باستقرارها وبحدودها الجغرافية ومقدرات شعبها.
ويبدأ العرض الزائف لسلبيات الأوكتاجون بافتراض أن الهدف من إقامته إدارة الحروب فقط، والحقيقة أن الهدف من بناء الأوكتاجون ليس عسكرياً فقط، بل يشتمل على أبعاد تنموية عديدة فيما يخص التعليم والصحة والسكن والتسوق، فضلاً عن تبنِّي الرئيس السيسي، منذ بداية حكمه، سياسة إسقاط الحواجز بين جميع المصريين، وإتاحة الفرص أمام الشعب المصري للاستفادة من كافة الخدمات والمشروعات التي تقدمها القوات المسلحة.
كما يتحدث آخرون عن الجدوى الاقتصادية للمشروعات القومية، متناسين أن كافة مشروعات البنية التحتية تُعتبر مشروعات طويلة المدى، ولا تستهدف الربح السريع، عندما نتحدث عن مدن مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة والجلالة الجديدة، علينا أن ندرك أننا أمام محاور تنموية مستقبلية ستخدم المصريين لمئات السنوات، محاور تستوعب الزيادة السكانية، وتقضي على موجات البناء العشوائي والتكدس السكاني الناتج عنه، والذي أضر كثيراً بثقافة المصريين وأخلاقهم وأرزاقهم، مع توفير عشرات الآلاف من فرص العمل والاستثمار.
لذلك كان من الحكمة أن يدعو الرئيس السيسي لعرض هذه الآراء في وسائل الإعلام، ومناقشتها بشكل علمي هادئ بعيداً عن الانفعالات، وهو ما يفوت الفرصة على من يعيشون أوهام عودة الخراب، أو أولئك الذين يستثمرون في الأزمة الاقتصادية، الذين يتحدثون كثيراً عن عوائد المشروعات القومية، ويهملون عمداً التضخم المستورد واضطراب الأسواق وسلاسل التوريد، ويقيمون حساباتهم على أسس اقتصادية تتجاهل ثوابت الأمن القومي المصري.
إن العواء الناتج عن افتتاح الأوكتاجون ليس خوفاً على مصلحة هذا الوطن، وليس بحثاً عن حلول لحماية أبنائه من آثار الأزمة الاقتصادية الدولية، إنما هو بكاء ونحيب في جنازة تدفن فيها مصر جميع المؤامرات، وتحتفل بامتلاك أسباب القوة الشاملة، وتعلن انتصارها في معارك استعادة السيادة، ما يعني أن اللعب مع مصر في المرحلة القادمة لن يكون سهلاً بالمرة!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك