بغداد ـ «القدس العربي»: بينما أعلن القضاء العراقي ضبط مبالغ جديدة مرتبطة بقضية وكيل وزير النفط عدنان الجميلي، المعتقل على خلفية تهم فساد، تقدّر بأكثر من 20 مليون دولار، كانت مخبّأة في قناني مياه في أحد المنازل التابعة له في مدينة تكريت، مركز محافظة صلاح الدين، كشف مصدر سياسي رفيع عن هرب اثنين من المتورطين بالقضية إلى فرنسا، ومعهما نصف مليار دولار.
وأشار قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، في بيان صحافي أمس إلى «ضبط 25 مليار دينار عراقي جديدة (أكثر من 19 مليون دولار) فضلاً عن ضبط مبلغ (مليون دولار) إلى جانب ضبط مصوغات ذهبية تقدر بحوالي (5) كيلو غرامات في قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية المتهم الموقوف، عدنان الجميلي، والأطراف المتورطة معه».
ووفق القاضي «نتيجة للمتابعة الدقيقة لضبط المتحصلات المالية الناتجة عن الهدر الحاصل في المشاريع المنفذة من قبل المتهم وأطراف القضية، فإنها أسفرت عن ضبط هذه المبالغ التي كانت موضوعة في قناني مياه بلاستيكية ومخبأة داخل منزل المتهم في مدينة تكريت».
ووفق البيان فإن «المبالغ المالية الإجمالية المضبوطة ارتفعت لتصل إلى 127 مليار دينار (نحو 97 مليون دولار) و(24) مليون دولار، بالإضافة إلى العقارات والعجلات التي تم حجزها والمصوغات الذهبية المضبوطة»، مؤكداً أن «التحقيقات وملاحقة المتورطين الآخرين مستمرة حتى استكمال الإجراءات القانونية كافة».
يأتي ذلك في وقتٍ كشف فيه وزير الاتصالات، مصطفى سند، عن هروب اثنين من أبرز المطلوبين للقضاء على خلفية ملف «عقود المصافي»، في عملية تهريب ضخمة للأموال تُقدر بنحو نصف مليار دولار أمريكي.
وقال سند في «تدوينة» له إن «المسؤول عن اللجنة الاقتصادية التابعة للوكيل الموقوف أقدم على الهروب خارج العراق متوجهاً إلى فرنسا برفقة شقيقه»، مبيناً أن «بحوزتهما مبالغ مالية ضخمة مهربة تُقدر بنحو نصف مليار دولار أمريكي».
وأكد أن «رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، يصرُّ على ملاحقتهما قضائياً وقانونياً عبر القنوات الدولية لاستردادهما والأموال المهربة».
وسبق أن عرض الزيدي على العراقيين مكافأة مالية تمثل نسبة من المبالغ المالية المتحصلة نتيجة الإخبار عن أي ملف فيه هدر للمال العام، غير أن «المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان»، دعا الحكومة العراقية إلى حماية المبلغين عن قضايا الفساد، مؤكداً أن توفير بيئة قانونية وآمنة للإبلاغ يمثل ركيزة أساسية لإنجاح جهود مكافحة الفساد.
وذكر المركز في بيان صحافي أمس، أن «الحملة الوطنية لمكافحة الفساد (صولة الفجر) تمثل خطوة مهمة لتعزيز سيادة القانون واسترداد الأموال العامة ومحاسبة المتورطين، إلا أن نجاحها بصورة مستدامة يبقى مرهوناً بتوفير الحماية القانونية للمبلغين، بما يشجع المواطنين والموظفين على الإبلاغ عن جرائم الفساد دون خوف من التهديد أو الانتقام أو فقدان وظائفهم».
وأضاف أن «التجارب الدولية أثبتت الدور المحوري للمبلغين في كشف آلاف قضايا الرشوة والاختلاس وإساءة استعمال السلطة».
ولفت إلى أن «تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تفيد بأن نحو 43٪ من قضايا الفساد العابرة للحدود التي كُشفت عالمياً بدأت عبر بلاغات أفراد أو من خلال أنظمة الإبلاغ الداخلية، فيما تؤكد منظمة الشفافية الدولية أن حماية المبلغين تعد من أكثر الأدوات فاعلية في الحد من الفساد وتعزيز المساءلة».
وأشار إلى أن «العراق يشهد حراكاً حكومياً متصاعداً لمكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة، ما يستوجب بالتوازي تعزيز منظومة حماية المبلغين والشهود والخبراء».
وأكد المركز أن «توفير ضمانات قانونية وإدارية فعالة للمبلغين ينسجم مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد»، داعياً مجلس النواب والحكومة والسلطات القضائية والجهات الرقابية إلى «استكمال الإطار التشريعي الخاص بحمايتهم، وتوفير قنوات إبلاغ آمنة وسرية، بما يسهم في تعزيز النزاهة وحماية المال العام».
وزير يكشف عن هرب مطلوبين اثنين بحوزتهما نصف مليار دولاروتحظى حملة الزيدي لمكافحة الفساد بتأييد سياسي واسع، ترافقه دعوات لأهمية أن تشمل جميع من عليهم مؤشرات فساد دون انتقائية.
ويؤكد رئيس «المجلس الأعلى الإسلامي»، أحد أقطاب «الإطار التنسيقي» الشيعي، همام حمودي، أن حملة مكافحة الفساد الجارية في العراق تمثل ضرورة حتمية لتزكية المشروع السياسي، مشدداً في الوقت ذاته على أهمية تحويل هذه الحملة إلى «مشروع متكامل» بعيد عن أي تجاذبات سياسية.
وخلال مشاركته في ملتقى حواري، بارك حمودي «صولة الفجر» ضد الفساد، معتبراً إياها «خطوة لا بد منها لتطهير المسار السياسي العراقي، رغم ما يصاحبها من ألم وإجراءات استثنائية».
وفيما شدد على وجوب أن «تستمر هذه الحملة وفق رؤية ومشروع متكامل، يعالج أصل المشكلة ومسبباتها بعيداً عن التسييس أو الاستغلال»، استدرك قائلاً: «من حق الشعب أن يتساءل: أين كانت النزاهة الحكومية والرقابة المالية والمتابعة البرلمانية من جرائم نفط الشمال التي تجلت اليوم؟ ».
وأكد أن «هناك تقصيراً واضحاً يتطلب وقفة جادة»، مشيراً إلى أن «النظام السياسي العراقي، بما يمتلكه من دستور وعمق شعبي، لن يهتز بإنهاء وجود أشخاص فاسدين، مهما بلغت مواقعهم لأنه نظام برلماني، مبني على دستور، وصنعه السيستاني، والشعب المجاهد الذي قدم الدماء والتضحيات».
وأرجع حمودي جذور الفساد إلى «مرحلة ما بعد عام 2003»، واصفاً إياها بأنها «جزء من مخلفات الاحتلال الذي شجع على نهب مؤسسات الدولة وصنع مقاولين وعناوين بارزة من الذين عملوا معه».
كما استذكر مواقف المرجعية الدينية الشيعية، مؤكداً أنها كانت «أول من طالب بمحاربة الفساد منذ انطلاق النظام الجديد، إدراكاً منها بأن الفساد يمثل تهديداً وجودياً يؤدي إلى انهيار الدولة».
ودعا حمودي إلى ضرورة «تحويل محاربة الفساد من إجراءات أمنية فقط إلى ثقافة مجتمعية».
وختم بالقول: «نريد نزاهة مهابة، تواجه تضخم الأموال بشجاعة، وتراقب الإنفاق الانتخابي، وتمنع وصول الانتهازيين إلى مفاصل القرار».
على المستوى السياسي أيضاً، جدد ائتلاف «الإعمار والتنمية»، بزعامة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، دعمه للإجراءات الحكومية والقضائية التي تتخذها الجهات المختصة في مكافحة الفساد الإداري والمالي.
وقال المكتب الإعلامي لائتلاف في بيان صحافي، إنه «عقد اجتماعاً موسعاً برئاسة السوداني، جرى خلاله بحث مستجدات المشهد السياسي وتطورات الأوضاع العامة في البلاد، إلى جانب مناقشة الملفات التنظيمية للكتلة النيابية».
وأضاف البيان أنه «استكمالاً لمسار البناء المؤسسي، أقرّ الاجتماع النظام الداخلي للكتلة النيابية، وانتخب رئيساً للكتلة ونائبين للرئيس ومقرراً وناطقاً رسمياً، بما يعزز كفاءة العمل النيابي، ويرسّخ الأداء المؤسسي، ويسهم في تطوير آليات اتخاذ القرار».
وأكد الائتلاف، حسب البيان، التزامه بـ«المضي في تشريع حزمة القوانين التي تقدمت بها كتلته النيابية، والعمل على إقرار التشريعات ذات الأولوية التي تمس حياة المواطنين، وتسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية، وتحسين مستوى الخدمات، وترسيخ الاستقرار الاجتماعي، وبما ينسجم مع متطلبات المرحلة وتطلعات أبناء شعبنا».
وجدد وفق البيان «دعمه للإجراءات الحكومية والقضائية التي تتخذها الجهات المختصة في مكافحة الفساد الإداري والمالي، وفق أحكام الدستور والقانون، وبما يعزز سيادة القانون، ويحفظ استقلال القضاء، ويكرّس مبدأ المساءلة، ويضمن تحقيق العدالة بعيداً عن أي تسييس أو انتقائية أو تمييز».
وأكد «دعمه لحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز سلطة المؤسسات الدستورية، وترسيخ سيادة القانون، والتمسك بالقرار الوطني المستقل، والعمل على إنهاء أي وجود أجنبي على الأراضي العراقية، بما يحقق السيادة الكاملة للدولة على أراضيها وسمائها ومياهها، وفق الدستور والقوانين النافذة».
وأكد «مواصلة أداء مسؤولياته الوطنية من خلال دعم كتلته النيابية في أداء دورها التشريعي والرقابي، والعمل مع جميع القوى الوطنية من أجل تعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ الاستقرار، ومواصلة مسيرة الإصلاح والبناء والإعمار، بما يحقق تطلعات المواطنين ويخدم المصالح العليا للبلاد».
وتحت قبّة مجلس النواب، أعلنت كتلة «الإعمار والتنمية» النيابية، أمس الإثنين، دعمها الكامل للإجراءات التي يتخذها مجلس القضاء الأعلى والحكومة العراقية في ملاحقة ملفات الفساد، مشددة على ضرورة أن تشمل التحقيقات جميع الملفات دون انتقائية.
رئيس الكتلة بهاء الأعرجي قال في مؤتمر صحافي عقده بحضور عدد من نواب الكتلة إن «اعتقال ومحاسبة المسؤولين المتورطين بقضايا الفساد، سواء كانوا في السلطة التنفيذية أو التشريعية، يمثل خطوة مهمة»، مؤكدا ثقة كتلته بـ«القضاء العراقي وبقراراته»، فيما دعا إلى «تحويل بيان مجلس النواب الأخير بشأن مكافحة الفساد إلى إجراءات عملية».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك