شهد القرن التاسع عشر تطورا هائلا في أدب الرواية، ما أدى إلى بروز أسماء روائية كبيرة في العالم الغربي مثل، جين أوستن، تشارلز ديكنز وأوسكار وايلد.
وقد تحولت الرواية في تلك المرحلة من مجرد قصص خيالية للتسلية إلى مرآة تعكس الواقع الاجتماعي، وتغوص في أعماق النفس البشرية ضمن ظروف المجتمع وتحولاته آنذاك.
وفي خضم هذا التحول، برز اسم الروائية والشاعرة الإنكليزية ماري كوريلي، التي قدمت أعمالا روائية مميزة اتسمت بطابع غرائبي ساحر يمزج بين التمسك بالبعد الديني من جهة، وانتقاد المجتمع وكشف فساده من جهة أخرى.
كما تميزت أعمالها بنبرة تحد واضحة للخطاب النقدي السائد، سواء داخل نصوصها الروائية أو خارجها، ما جعلها شخصية مثيرة للجدل وذات حضور خاص في المشهد الأدبي آنذاك.
في عام 1895 كانت الملكة فيكتوريا على موعد غير مباشر مع الروائية ماري كوريلي، من خلال روايتها الجديدة آنذاك «أحزان الشيطان»، وتعد هذه المخطوطة العمل الثاني لماري ماكاي، المعروفة باسم ماري كوريلي، وهي الابنة غير الشرعية للشاعر وكاتب الأغاني الأسكتلندي تشارلز ماكاي من خادمته إليزابيث ميلز.
منذ صدور روايتها الأولى «رومانسية بين عالمين» عام 1886، برزت كوريلي بوصفها واحدة من أكثر كاتبات الخيال مبيعا في إنكلترا، إذ تميزت أعمالها بمزجها بين الخيال والأفكار الروحية والدينية مثل، التقمص والإسقاط النجمي والتصوف، ما جعلها موضع جدل واسع في الأوساط الأدبية آنذاك.
وقد أثار هذا الطابع الفكري المختلف موجة حادة من النقد ضدها، حيث هاجمها بعض النقاد بعبارات قاسية، إلا أن ذلك لم يضعف من انتشارها، بل زاد من إقبال الجمهور على رواياتها بشكل ملحوظ، وقد وصلت شهرتها إلى درجة أن رواية «أحزان الشيطان» أثارت فضول الملكة فكتوريا شخصيا، ما دفع كوريلي إلى إرسال نسخة منها إلى قصر الحكم.
ورغم الجدل الذي أحاط بها، حظيت كوريلي أيضا بإعجاب بعض الأدباء، ومن بينهم أوسكار وايلد، الذي أبدى تقديرا لأسلوبها، في مقابل نقاد آخرين وصفوا أعمالها بأنها وعظية ومبالغ فيها، ما جعلها واحدة من أكثر الكاتبات إثارة للجدل في عصرها.
رغم أن بعض القراء يعدون «أحزان الشيطان» من روايات الرعب والأدب القوطي، إلا أن هذا التصنيف لا ينطبق على العمل بشكل مطلق.
فالرواية في جوهرها عمل فلسفي عميق يحمل أكثر من رسالة، إذ هاجمت ماري كوريلي من خلالها النقاد والأدب السائد، عبر نقد الأعمال العاطفية السطحية، التي كانت تنتشر في عصرها، كما طرحت تصورا يقوم على المثالية الزائدة كما وصفت بها لاحقاً.
وتتجلى هذه الفكرة في رسمها لشخصية البطل جيوفري تمبست، الكاتب الذي يعاني من فشل متكرر في نشر أعماله بسبب رفض الناشرين لها، كونها أعمالا مثالية لا تنجسم مع الذوق السائد الذي يفضل العاطفة السهلة والمباشرة.
ومن هنا تبرز أول رسالة في الرواية، وهي نقد طريقة صناعة الأدب آنذاك، وإبراز التوتر بين المثالية الفنية ومتطلبات السوق الأدبي.
وفي أحد المقاطع تقول كوريلي على لسان السرد: «لكني اؤكد لك أن قصتك المثالية لن تجد رواجا، وأول من سيتعرض لها هم النقاد، ومتى نقر الناقد على كتاب صرف الجمهور عن القراءة، لأن الجمهور ساذج له بالناقد ثقة عمياء».
وعند دخول شخصية لوسيو ابن الصباح، تتوسع دلالة الرواية بشكل أعمق، فالقارئ المتأني يلاحظ أن الشيطان رغم حضوره القوي في العمل، ليس سوى أداة أو نتيجة حتمية للابتعاد عن الله، فالأمير ريمانيز الذي فقد (الفردوس المفقود) هو من فتح الطريق للبطل وزوجته نحو حياة مترفة مليئة بالأموال الباطلة والشهرة الزائفة، ورغم كل ما يمتلكه من قدرات ونفوذ، إلا أنه يظل فاقدا للحب والسعادة، وهي القيم التي تمحنها النفس الطاهرة، كما أن كثرة التباهي باعترافه بوجود الله خالق الأكوان، ما يضيف بعدا تناقضيا في شخصيته، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن «أحزان الشيطان» تحمل ملامح الرواية الفاوستية بامتياز، إذ أن فكرة بيع النفس، أو الانقياد للشيطان تحضر بشكل واضح على غرار مسرحية «فاوست» ليوهان غوته.
كما ركزت الرواية على نقد فساد المجتمع الإنكليزي، ولاسيما الطبقة الأرستقراطية، كاشفة عالما تنتشر فيه الرشاوى والنجاحات الزائفة والسعادة المصطنعة والخيانة التي كانت سيبيل زوجة البطل الراوي إحدى أبرز ضحاياها.
ولم تكتف ماري كوريلي بهذا البعد الاجتماعي، بل أضفت على الرواية نكهة فرعونية آسرة، فجاءت الرحلة إلى مصر محملة بدلالات رمزية تتجاوز حدود المكان، إذ بدت وكأنها تمثل الانتقال من مرحلة إغواء الشيطان للإنسان إلى مرحلة هيمنته الكاملة عليه، فمصر في مخيلة الكثير من الكتاب الإنكليز آنذاك، كانت أرض الغموض والأسرار والأساطير القديمة.
ومع ذلك يؤخذ على الكاتبة أنها جعلت بطلها جيوفري تمبست ساذجا إلى حد ما، إذ تجاهل مرارا الغموض الذي أحاط بصديقه ريمانيز، ولم يبدأ بإدراك حقيقته إلا في المراحل الأخيرة من الرواية، ففي مشهد المصارحة بين سيبيل ولوسيو، كانت غرائبية الأخير واضحة بصورة كبيرة، كما أن تحذيرات مافيز كلير صاحبة الوجه النقي والضمير الحي في الرواية، لم تكن كافية لإثارة شكوكه.
ولعل الرواية كانت ستزداد توترا وإقناعا لو أن كوريلي جعلت الشك يتسلل إلى نفس البطل منذ البدايات، بدل أن يبقى متمسكا بثقته العمياء بصاحبه حتى اللحظات الأخيرة.
كما تميزت الرواية بحواراتها الفلسفية العميقة بين البطل والشيطان، ذلك العدو الأكبر للإنسان، الذي قدمته ماري كوريلي بصورة مختلفة عن الصورة التقليدية المألوفة.
فإبليس في هذه الرواية ليس مجرد قوة للإغواء، بل كائن تزداد أحزانه كلما نجح في إغواء إنسان جديد، ومع ذلك يبقى أسير تكبره وجحوده وعاجزا عن التخلي عن كراهيته للبشر الذي يحملهم جزءا من مسؤولية فقدانه للسعادة الأبديةوتتجلى هذه الرؤية في العديد من الحوارات اللافتة ومنها قوله: «واعلم أيها الصديق أنه ما من إنسان على وجه هذه البسيطة يستطيع الصمود طويلا في وجه التجربة والإغراء، إننا جميعا نباع ونشترى، وأنت نفسك تستطيع أن تشتري ملكا وعرشا، ولا شيء في هذه الدنيا يعطى بلا مقابل غير الهواء وأشعة الشمس – أما سواهما فلا يستولي عليه إنسان إلا بالمال – بالدماء أو بالدموع، وبالآلام أحيانا.
ولكن المال هو كل شيء لدى الإنسان وفي نظره».
ومن خلال هذه الحوارات لا تكتفي كوريلي ببناء شخصية الشيطان، بل تطرح أسئلة أخلاقية وفلسفية عن الطمع والسلطة والثمن الذي يدفعه الإنسان مقابل رغباته.
ولهذا لم تكن «أحزان الشيطان» مجرد رواية بل ثورة أدبية على عالم يكافئ السطحية ويخشى العمق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك