يسير المدرب بيتكوفيتش نحو مغادرة المنتخب الوطني بعد عامين ونصف العام من الإشراف عليه، ما خلف مسيرة جمعت بين تحقيق مختلف الأهداف الرياضية المسطرة، وفي مقدمة ذلك تكسير عقدة الدور الأول في “الآن” وإعادة “الخضر” إلى واجهة المونديال، مع التأهل إلى الدور الثاني، لكن في المقابل، واجه ضغوطا وانتقادات ناجمة عن غياب الإقناع من ناحية الخيارات الفنية والأداء المقدم فوق الميدان، بدليل كثرة الأخطاء الدفاعية وتراجع الهجوم والإخفاق في عدة مباريات هامة وحاسمة.
يسير الشارع الكروي نحو استعادة الهدوء بعد موجة غضب واسعة عقب مغادرة المنتخب الوطني لنهائيات كأس العالم من بوابة الدور الثاني، وهو الأمر الذي جعل المدرب بيتكوفيتش محل انتقاد واسع، ناهيك عن إجماع الكثير على ضرورة مغادرته العارضة الفنية لـ”الخضر”، وهو الأمر الذي يجعل المجال متاحا لتقييم مسيرة هذا الأخير منذ توليه زمام محاربي الصحراء مطلع العام 2024 إلى غاية انتهاء مسيرته بعد الخسارة أمام منتخب سويسرا بهدفين دون رد، لحساب الدور الثاني من نهائيات كأس العالم، حيث يجمع الكثير بأن بيتكوفيتش نجح في تحقيق الأهداف المسطرة مع “الفاف”، وهذا رغم الجدل الحاصل بخصوص خياراته الفنية، والمردود الفني المقدم خلال المونديال وفي عدة مباريات حاسمة.
وخلال فترة عامين ونصف العام تقريبا، حيث فاز في 70 بالمئة من المباريات التي أشرف فيها على المنتخب الوطني (23 فوزا في 33 مباراة)، مقابل 5 تعادلات و5 هزائم، في الوقت الذي سجل الهجوم 76 هدفا مقابل تلقيه 31 هدفا.
وهي حصيلة تبدو مقنعة من ناحية لغة الأرقام، ولو أن الكثير لم يهضم الأداء المقدم في المونديال، وكذلك الهزائم في بعض المباريات الحاسمة، على غرار مباراة نيجيريا في إطار الدور ربع النهائي من “الكان”، وفي مختلف المباريات التي انهزم فيها خلال نهائيات كأس العالم، آخرها ضد منتخب سويسرا.
نجح في فك عقدة “الكان” وأعاد “الخضر” إلى المونديالوإذا بدأنا في تقييم حصيلته على النقاط الايجابية التي ميزت مسيرة المدرب بيتكوفيتش مع المنتخب الوطني، نجد أنه حقق عدة مكاسب هامة من الناحية الفنية والمعنوية، وفي مقدمة ذلك فك عقدة الخروج من “الكان” من بوابة الدور الأول، وهو الأمر الذي حدث مرتين في عهد المدرب الأسبق جمال بلماضي، خلال نسختي 2022 بالكاميرون و2024 بكوت ديفوار، حين احتل زملاء ماندي المرتبة الأخيرة، ولعل أسوأها على الإطلاق نسخة 2024 عقب الخسارة في اللقاء الثالث أمام منتخب موريتانيا، رغم أن المنتخب الوطني كان في حاجة ماسة إلى نقطة للمرور إلى الدور الثاني.
كما بصم الفني السويسري على عودة المنتخب الوطني إلى واجهة المونديال بعد غياب دام نسختين متتاليتين، حيث تصدر مجموعته خلال التصفيات برصيد 25 نقطة كانت محصلة لـ8 انتصارات وتعادل وهزيمة.
وإذا كان الإقصاء من مونديال 2018 كان بمثابة تحصيل حاصل ناجم عن توالي التعثرات وغياب الاستقرار الفني والإداري، فإن عدم التأهل إلى مونديال 2022 بقطر كان صدمة كبيرة لدى الجميع، خاصة وأن العناصر الوطنية خسرت الرهان في اللقاء الفاصل أمام منتخب الكاميرون، عقب الهزيمة المسجلة في ملعب “تشاكر” بالبليدة.
والشيء الملاحظ هو أن بيتكوفيتش لم يكتف بفك عقدة “الكان” بل وصل إلى الدور ربع النهائي بعد أن تجاوز عقبة منتخب الكونغو في الدور ثمن النهائي، قبل أن ينهزم أمام منتخب نيجيريا بهدفين دون رد، في لقاء خلف استاء من ناحية التحكيم ومن ناحية الأداء المقدم فوق الميدان، مثلما يقتصر جهود بيتكوفيتش على تأهيل “الخضر” إلى المونديال، بل تمكن من الوصول إلى الدور الثاني، وهذا بصرف النظر عن التحفظات الحاصلة من ناحية الأداء والأخطاء البدائية وكذلك الخيارات النية والمعتمدة.
وبعيدا عن الانجازات الميدانية المحققة في “الكان” والمونديال، فقد أجمع الكثير على المرونة التكتيكية للمدرب بيتكوفيتش ورد فعله الإيجابي خلال الشوط الثاني، من خلال تغييراته التي كثيرا ما صنعت الفارق وقلبت الموازين، وحرصه على منح فرص البروز لعدة لعناصر شابة أصبحت ركائز هامة مع مرور الوقت، يتقدمهم اللاعب مازة، ناهيك عن إسهامه في ترقية المنتخب الوطني في تصنيف “الفيفا” من المرتبة 48 إلى المرتبة 28 وغيرها من المكاسب الفنية والمعنوية التي انعكست بالإيجاب على المنتخب الوطني.
سدد فاتورة الهشاشة الدفاعية وخسارة المباريات الحاسمةمن جانب آخر، فقد وقع المدرب بيتكوفيتش في عدة أخطاء مؤثرة خلفت موجة غضب عارمة وسط المحللين والجماهير الجزائرية بشكل عام، بسبب الأداء الباهت في مونديال 2026، أداء جمع بين غياب الإقناع وكثرة الأخطاء الدفاعية وقلة النجاعة الهجومية ناهيك عن غياب الروح القتالية فوق الميدان، وهو الأمر الذي تسبب في خسارة عة مباريات حاسمة، لعل أكثرها تأثيرا الهزيمة أمام منتخب سويسرا في إطار الدور الثاني على وقع هدفين دون رد، حيث منح دفاع “الخضر” هدايا سهلت المنافس في تحقيق المبتغى بأقل جهد، في الوقت الذي كان الهجوم بعيدا عن التطلعات، بسبب غياب الفعالية من جهة وكذلك خيارات المدرب بيتكوفيتش الذي خاض مباراة سويسرا دون مهاجم صريح، في سيناريو شبيه لما حدث في مباراة نيجيريا خلال الدور ربع النهائي من منافسة “الكان”، وهو الأمر الذي جعل التقني السويسري يسدد الفاترة غاليا، وسط غضب جماهيري واسع وانتقادات حادة وسط الفنيين ومحللي البلاتوهات على الخصوص، حيث أعاب الكثير على بيتكوفيتش غياب الاستقرار في التشكيلة، في ظل كثرة التغييرات، حتى انه لعب المباريات الأربعة من المونديال ب 4 تشكيلات مختلفة، ما انعكس سلبا على مردود زملاء مازة الذين عانوا من الهشاشة الدفاعية، بدلي تلقي 9 أهداف، منها 3 أهداف ضد الأرجنتين والنمسا، وهدفين أمام سويسرا، وقلة النجاعة الهجومية، بدليل الاكتفاء بـ5 أهداف قط، منها هدفين أمام الأردن وثلاثة ضد النمسا، مع خسارة معركة الوسط في بعض المباريات، ما تسبب في خسارة الهران في المواعيد الهامة والحاسمة أمام منتخبات قوية وطموحة، مثلما حدث في اللقاء الأول أمام الأرجنتين، وضد منتخب سويسرا لحساب الدور الثاني.
وبعيدا عن الانتقادات الحادة التي تلقاها المدرب بيتكوفيتش عقب مغادرة المونديال من بوابة لقاء سويسرا، إلا أن لغة الأرقام ستحتفظ بالكثير من المكاسب والإنجازات التي حققها هذا الأخير، وفي مقدمة ذلك تجاوز عقدة “الكان” بعد الوصول إلى الدور ربع النهائي في نسخة المغرب، والوصول إلى الدور الثاني من المونديال، بعد غياب دام 12 سنة عن هذا العرس العالمي، ومكاسب أخرى قد تحسب لبيتكوفيتش، مثلما احتسبت لمدربين آخرين عديد المكاسب التي حققوها مع المنتخب الوطني، بصرف النظر عن طريقة خروجهم سواء من الباب الواسع أو من الباب الضيق، على غرار سعدان وخاليلوزيتش وبلماضي والمرحوم خالف ومخلوفي وكرمالي وغيرهم من التقنيين الذين قدموا الكثير لـ”محاربي الصحراء”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك