من المؤكدِ أن أبرز ما يميز دوستويفسكي عن غيرِه من الكتابِ في التماهي في الإبداعِ النفسي والفلسفي، هو أنه يتبادل الأضواء عبر نوافذِ الواقعِ ليلج منها إلى مساحة يتردد منها صدى المطارقِ الفلسفيةِ التحذيرية، وأهم من غرف منها هو نيتشه صاحب المطرقة الخارقة، الذي استنفد غنائم التحليل وخلص إلى قدرةِ الإنسانِ العجائبيةِ في التحررِ من كل قيم تردع إرادته، ولكن الفرق بينه وبين الأولِ في أن دوستويفسكي حسم خسائر النفسِ العليلةِ في تعاليها عن غاياتِها، وتركيزِها على جنونِ «الأنا» التي تقلص دور الآخرين في حياتِها، وتفرض مواهبها المزعومة على محيطِها في جسارة ولامبالاة، ولا تجرؤ بأن تتكشف صورتها في مرآتِها الحقيقية، لأنها تعلم أن زخارفها المتباهية ستسقط عنها وتتركها في مواجهة حامية مع ما اقترفته وما خبأته في خبايا النفقِ الروحي الداكن.
هكذا، عبّر دوستويفسكي عن هذه النرجسيةِ المفرطة التي جاد بها صاحب محل الرهنِ على ذاتيتِه وغيرِه، وتفشت في تعال عنيف، عندما جاءته فتاةٌ يافعةٌ في السادسة عشرة من عمرها، لترهن أشياء حقيرة لا تساوي ثمنا، ولكنه يمن عليها من فضلِه ويتقبلها منها في تعاطف، تأوه الزمن من قصتِها الحزينة، وهي التي فقدت والديها صغيرة وانتقلت لتعيش مع عمتيها اللتين ترميان على عاتقِها أعباء الأعمالِ المنزلية، ويجبرانها على تحملِ الشقاءِ مقابل إيوائِها، ويرغمانها على الزواج من تاجر حقير سبق له الزواج عدة مرات، كي يتخففا من عبئِها عليهما.
فيقرر «إحسانا منه» أن ينقذها من هذا الجحيم، «فيتكرم» عليها، حسب تعبيرِه، بزواجِه منها، فيزورها في منزلِها ويحادثها على انفراد بعد أن يرشى العمتين ببعضِ الأموال، ويبرر لها إحسانه عليها بأنه قرر أن تكون زوجته، وتركها وهي مذهولة ومدهوشة من طريقتِه العجيبة التي تحفل بجنونِ العظمةِ التي تتركز في ذهنِه وتستعمر كيانه.
وهكذا جاءت الفتاة «الرهينة» إلى منزلِها الزوجي وهي مكتومة الصوت، تنضوي تحت ظلالِ السكون، طيعة ومؤتمرة، يندى جبينها خجلا من تواضعِ أصلِها، وتنتظر إشاراتِه حتى تتحرك وتجلس وتنام.
وكان هو مترفعا يجود عليها ببعضِ النظرات من دون أن يفرط في الكلام، ثم يتحايل على سيطرتِه المفرطة عليها وتملكِه لها بادعاءِ الاهتمامِ الهامشي، وبتحويلِها إلى أداة عملية لياقةِ غرورهِ المزركشةِ بالعلل.
وتمشي الحياة بهدوء، إلى أن يحل الصمت المطبق بينهما بلا سبب يذكر، بعد محاولات مستميتة منها كي تسكب نشوة اندفاعِها وصباها في أحضانِه، لكنه آثر الصرامة، كي يبقى لغزا سرمديا في عينيها، فكانا يخرجان للنزهة، من دون كلام، ويتأهبان للمضي في مشاغلهما من غيرِ حياة، وقد أصر على انتهاجِ هذا الأسلوبِ كعقاب لها، لأنها بدأت تتدخل في طريقةِ التصرفِ برهوناتِه في المحل بواسطةِ معارضتِها لأسلوبِ تنفعِهِ الجِشع، لذا، حول تمردها وثورتها إلى قبور ضحلة ليقتلها بسكوتِه، وينخر سكينتها بالوسواسِ الانطوائي، لتبتعد عن كل كائن وتسخر له أوقاتها وأحلامها المؤجلة.
ولكن قدور القدرِ تتلألأ بحكمتِها فتتطور ثورتها لتخرج من منزلِ الزوجية، ليقوم بملاحقتِها لاسترجاعِها باعتبارِها وديعة تتمرغ في أفضالِه، ويتقصى عنها في بيتِ عمتيها فتؤكدا له بأنها لم تأتِ إليهما، فيقوم برشوتِهما ببعضِ المال كي تأتيا له بالخبر، فتوردا له فضيحة تجلجل كيانه وهي أن أرملة وزوجة عقيد، فتحت باب ضيافتِها لزوجتِه كي تنسق لها موعدا غراميا مع زميل سابق له وضابط في الجيش يدعى يفيموفيتش، وهو نفسه الذي نقل إليها أخبارا فاضحة عنه، فقال لها، إن زوجها طرد من الجيش لأنه رفض المبارزة ونام لمدةِ ثلاث سنوات تحت الجسور ليتقي القيظ والقر كما المشردين إلى أن أوصت له عمةٌ له ببعض من ثروتِها ليفتح بها محل الرهان.
وكي يكتشف السر الكامن وراء زوجتِه، تلك الوديعة الخالية من الفسوقِ والمداهنةِ الخرقاء، ويفيموفيتش ذلك الزميل القديم الذي يعرف بفجورِه وعشقِه للنساء، وكي يسحب خيوط الحقيقةِ بإيقاع ثابت، يضحي ببعضِ المال ويقف وراء بابِ الحجرةِ التي شهدت أول لقاء غرامي بينهما، فيسمع صوت يفيموفتتش وهو يتدحرج في رغباتِه المسعورة لينال رضا وديعتِه البريئة، وينصت إلى طهارةِ الكلامِ الذي ينبع من قلبِها المستنكر، وهي التي كانت تزدري مكاشفات الأخير لها عن غرامِه المحرم، وكان موقنا من وفائِها، فيقتحم عليهما خلوتهما ويجذب زوجته، أو بالأحرى «وديعته» من يدِها ليعود بها إلى المنزل.
ويشعر بها في منتصفِ الليل وهي تصوب المسدس الذي يمتلكه إلى رأسِه وكأنها تهم بقتله، فيدعي النوم كي يشل إحساسها بقوتِها، ولكنه يتخذ قراره بأن يفسخ الزواج، فيذهب في اليومِ التالي إلى السوق ويشتري سريرا حديديا مع حاجز له ويضعه في القاعة كي تنام وحدها عليه.
ومنذ ذلك الحين، ذوت كما تذوي الشمعة أو يصفر الريح في قصب أجوف، واكتشف أنها تسعل فأحضر لها طبيبا كي يعالجها مبذرا ماله على غيرِ عادة، وكأنه استيقظ من كبوة مضلة، فركع عند قدميها وأقر لها بحبه لها وأحصى لها علاتِه وأخطاءه فكان جوابها الساحق لأمنياتِه بعد أن أجهشت في البكاء: «ظننت أنك ستتركني على حالي».
رغم ردها الصاعق، ظل يلاطفها ويؤمل نفسه بأنه سيستعيد حبها، وتستيقظ ذات صباح هادئة على غير عادة كي تزف له خبر ندمِها ورغبتها بإصلاح ذات البين بينهما فيهرول فرحا ليحضر جوازي سفرهما، وإذا بها وعلى مرأى الخادمة تلقي بنفسِها من النافذة وتلقى حتفها.
وهكذا كسرت الوديعة أو الرهينة حاجزها، وبعد أن طردت إلى عراء الفراغ باتت هي المتحكمة الوحيدة في مصيرِها، فاختارت الموت طيعة كي يتكشف وهج الأجرامِ المتحركة في أعمقِ أعماقِ النفسِ البشرية، التي درسها دوستويفسكي بعنايةِ الحكيم، وكأنها أحجارٌ شفافةٌ تنضح بعذاباتِها ولمساتِها الدنيوية.
وفي فلسفةِ فرويد، فالانغماس في الذاتِ يعطي شعورا مشوشا في مدحِ «الأنا» وأهميتِها المفرطة، فالبطل يسير على ثلاثة مسطحات مائية في السرد تتشابك مثل قلادة تؤدي إلى دربِ الحقيقة، وتتغير تياراتها وفقا لوديعتِه التي سجنها في منزلِه من دون رحمة، وأول مسطح هو الاعتداد المفرط بالنفسِ من قبلِ الزوج، الذي يدلل على نرجسية تهيم فوقها سحبٌ صوفيةٌ من مدحِه لصفاتِه وكأنه المخلص الذي يحرر الناس من خطاياهم، فهو باعتقاده أنه بزواجِه من فتاة فقيرة قد ضحى بالكثيرِ وأكرمها، وأرهق قلقه المتصاعد خوفا عليها فعاقبها بالصمت، والمسطح الثاني عندما اكتشف خيانتها الطفولية التي لا تعني شيئا، لأنها لم تتماد مع عاشقِها ولم تضئ فانوس الأملِ في وجهِه، والمسطح الثالث كان عندما شعر بقربِ خسارتِها فباغتها بحبه وعطفِه المفاجئ فسبب لها صدمة عكسية، ولم تتحمل فكرة أن تكون وديعة أو سجينة في عطافِه، فقد اعتادت الموت الحي، وما كان يفصلها عنه هو أنها كانت تتلوى بأنفاسِها التي تضمن لها البقاء على قيدِ الحياة، ولكنه عندما منحها بعثا جديدا، ولم يعد يلوح لها بنفحاتِ الصدوعِ والشقوقِ النفسيةِ المتوغلة في أعماقه، تخلخلت العادة المستكينة الخانعة في روحِها، فاختارت الموت الفعلي والعلني على البقاء متأرجحة بين العدمِ والوعي، لتقرر بنفسِها مصيرها للمرةِ الأخيرة.
نجح دوستويفسكي في تقديم شخصية نرجسية معتلة، تتجاسر على رهنِ النفسِ البشرية لتضعها وديعة في تعاويذِها السحرية المضنية في شخصيةِ الزوج، معتقدا بامتلاكِه قوى خارقة، وقد قال فرويد في هذا إن الإنسان إذا تجاوز النرجسية الأولية الضرورية وقع في عائقِ النقص في توجيهِ عاطفتِه المسلطة فقط نحو نفسِه.
وكان هنالك تناغمٌ ضمني بين نرجسيةِ القاتِل النفسي، وهشاشةِ الضحيةِ الآيلةِ للسقوط، فأفلح دوستويفسكي في تصويرِ التجاذبِ المنطقي بين هاتين الشخصيتين، وفي تقديمِ حتميةِ المشهدِ الأخير في رواية نفسية بامتياز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك