في مثل هذا اليوم، تُستعاد الرسامة فريدا كاهلو بوصفها مثالًا نادرًا على شخص حوّل الألم إلى وجه يمكن النظر إليه.
لم تترك وجعها في العتمة، ولم تجعله حكاية هامسة بين الجدران، بل وضعته في صورة، في لون، في نظرة ثابتة، كأنها تقول إن الألم حين يُرى يصبح أقل وحدة.
لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى الكلام كي يشرح ما يؤلمه.
أحيانًا تعجز اللغة عن اللحاق بما يحدث في الداخل، فيأتي الرسم، أو التصوير، أو حتى الصورة العابرة على الهاتف، ليؤدي دورًا آخر: أن يمنح الوجع شكلًا، وأن يضع بيننا وبينه مسافة صغيرة.
لهذا لا يبدو تحويل الألم إلى صورة فعلًا فنيًا فقط.
إنه حاجة إنسانية قديمة، تتغير أدواتها مع الزمن، لكنها تبقى قريبة من السؤال نفسه: كيف نخرج ما يثقلنا من داخلنا، من دون أن نضيعه؟الألم، في بدايته، شعور داخلي لا يراه أحد.
قد يمشي صاحبه بين الناس كأنه عادي، بينما يحمل في داخله تعبًا لا يمكن قياسه.
لا توجد علامة واضحة دائمًا، ولا جملة جاهزة تشرح كل شيء.
لذلك يبحث الإنسان أحيانًا عن صورة تضع هذا الشعور خارج الجسد.
والصورة لا تشفي الألم بالضرورة، لكنها تجعله مرئيًا.
وحين يصبح مرئيًا، يتغير قليلًا.
لا يبقى كتلة غامضة تضغط من الداخل، بل يتحول إلى شيء يمكن تأمله، وصفه، تذكّره، وربما مشاركته مع الآخرين.
من هنا نفهم لماذا يعود بعض الناس إلى التقاط صور لأماكن فقدوها، أو أشياء كُسرت، أو وجوه غابت، أو لحظات صعبة مرّوا بها.
ليست الصورة دائمًا بحثًا عن الجمال.
أحيانًا تكون محاولة للإمساك بما حدث قبل أن يتلاشى، أو قبل أن يصبح أكبر من القدرة على الفهم.
وحين ننظر إلى الألم من خلال صورة، لا نكون داخله بالكامل.
تصبح هناك مسافة صغيرة بين التجربة وصاحبها.
هذه المسافة مهمة لأنها تمنح الإنسان فرصة لإعادة ترتيب ما شعر به.
من عاش لحظة قاسية قد لا يستطيع الكلام عنها فورًا.
لكنّه قد يرسمها، أو يصوّر أثرها، أو يحتفظ بشيء صغير يذكّره بها.
الصورة هنا لا تقول كل شيء، لكنها تفتح بابًا للكلام حين يصبح الكلام ممكنًا.
لهذا تبدو بعض الصور الشخصية، حتى البسيطة منها، محمّلة بما هو أكثر من ظاهرها.
وجه صامت، غرفة فارغة، كرسي قرب نافذة، يد تمسك برسالة قديمة، شارع بعد وداع.
هذه ليست مشاهد عادية تمامًا.
إنها أماكن يترك فيها الألم أثره، كأنه يحتاج إلى سطح يستقر عليه.
لماذا نشارك الألم أحيانًا؟وفي زمن الصور السريعة، صار تحويل الألم إلى صورة أكثر حضورًا.
نرى من ينشر صورة بعد خسارة، أو وداع، أو مرض، أو خيبة، أو كارثة.
وقد يبدو ذلك للبعض مبالغًا فيه، أو بحثًا عن الانتباه، لكن الأمر ليس دائمًا بهذه البساطة.
وأحيانًا يشارك الإنسان صورة ألمه لأنه لا يريد أن يبقى وحيدًا معه.
الصورة تقول ما لا يستطيع قوله مباشرة: أنا متعب، أنا خائف، أنا أفتقد، أنا أحاول أن أفهم ما حدث.
وهي تطلب من الآخرين شيئًا بسيطًا: أن يشهدوا.
والشهادة هنا ليست تفصيلًا صغيرًا.
فالألم الذي لا يراه أحد قد يصبح أثقل.
أما حين يراه الآخرون، ولو من بعيد، يشعر صاحبه أن تجربته لم تمرّ في الفراغ.
هناك من انتبه.
هناك من توقف لحظة.
هناك من قال: رأيتك.
والصورة لا تحفظ الألم كما هو فقط، بل تحوله مع الوقت إلى ذاكرة.
ما كان لحظة موجعة يصبح لاحقًا علامة على النجاة، أو على مرحلة انتهت، أو على شخص لم يعد حاضرًا، أو على نسخة قديمة من الذات.
وقد ننظر بعد سنوات إلى صورة التُقطت في زمن صعب، فنكتشف أننا لا نتذكر الألم وحده.
نتذكر أيضًا أننا عبرناه.
نتذكر من كان معنا، وما الذي تغيّر، وكيف صرنا أشخاصًا آخرين بعد تلك التجربة.
بهذا المعنى، لا تتحول الصورة إلى أرشيف للحزن فقط.
إنها تصبح دليلًا على أن ما كان ثقيلًا لم يبتلعنا بالكامل.
بقي منه أثر، نعم، لكن بقيت بعده حياة أيضًا.
ليس كل ألم يمكن أن يُختصر في مشهدمع ذلك، لا ينبغي أن نحمّل الصورة أكثر مما تحتمل.
فليس كل ألم يمكن أن يُختصر في مشهد، وليس كل وجع يصلح لأن يُعرض.
هناك آلام تحتاج إلى صمت، وأخرى تحتاج إلى علاج، وأخرى تحتاج إلى عدالة، لا إلى صورة جميلة.
والخطر يبدأ حين تتحول الصورة إلى بديل عن الفهم، أو حين يصبح الألم مادة للفرجة.
فبعض الصور قد تفتح باب التعاطف، وبعضها قد يحوّل المعاناة إلى مشهد عابر يستهلكه الناس ثم يمرون إلى غيره.
لذلك، تبقى قيمة الصورة في صدقها لا في صدمتها.
في قدرتها على ملامسة الإنسان لا على استعراض الجرح.
الصورة التي تنجح ليست بالضرورة الأكثر قسوة، بل تلك التي تترك لنا مساحة كي نشعر، لا كي نتفرج فقط.
ربما لهذا بقيت تجربة فريدا كاهلو حاضرة.
ليس لأنها رسمت الألم وحده، بل لأنها لم تتركه بلا شكل.
جعلت منه وجهًا، وجسدًا، وذاكرة، ولونًا.
لم تمحُ الوجع، لكنها منحتنا طريقة للنظر إليه من دون الهروب منه.
نحتاج أحيانًا إلى تحويل الألم إلى صورة لأن الصورة تمنحنا ما لا تمنحه اللحظة وهي تحدث: مسافة، وشهادة، وذاكرة.
تجعل الألم أقل غموضًا، وربما أقل وحدة.
فحين نعجز عن قول ما يؤلمنا، قد نبحث عن صورة تقول بدلًا منا: حدث هذا، وكان ثقيلًا، لكنه لم يبقَ في الداخل وحده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك