أصدرت تركيا عملة تذكارية من فئة خمس ليرات في خطوة رمزية لتخليد القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تحتضنها أنقرة، لكن أهمية القمة تتجاوز مجرد الاحتفاء إلى سبل الدفع بالتعاون بين الأعضاء في ذروة التوترات، مما يجعل التطلعات إلى نتائج اللقاء المرتقب بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ذات أهمية بالغة.
وتعكس العلاقات العريقة بين الدولتين اللتين تجمع بينهما روابط دبلوماسية مبكرة منذ القرن التاسع عشر، مكانتهما اليوم كأكبر مؤسستين عسكريتين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واثنين من أكثر الدول ذات الصناعات الدفاعية تطورا وكفاءة في العالم.
وبينما تتمتع الأولى بنفوذ وتأثير عالمي أوسع نطاقا، تتميز الثانية بموقع جغرافي فريد ومجموعة من التحالفات الثنائية، مما يجعل كلا منهما مساهما بالغ الأهمية في قوة الناتو، مع روابط تدفعها علاقات شخصية رغم التباين في وجهات النظر والخلافات العالقة بين البلدين في أكثر من ملف.
ويجيب التقرير التالي على أسئلة تتصدر قمة الناتو واللقاء المرتقب بين الرئيسين.
العلاقات الشخصية.
تكامل أم صدام؟طبع الود العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترمب، الذي يشيد باستمرار في تصريحاته بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ما عزز مكانة تركيا داخل حلف شمال الأطلسي في أعقاب توترات مع عدد من العواصم الغربية.
ويبرز أثر العلاقة الشخصية بين ترمب وأردوغان كأحد أهم عوامل هذا التحول، فقد أعلن الرئيس الأمريكي أنه سيشارك في قمة الناتو في تركيا خصيصا من أجل أردوغان، واصفا إياه في أكثر من مناسبة بأنه" صديق" و" قائد استثنائي".
كما أشار إلى أنه لولا استضافة تركيا للقمة لما قرر حضورها، وهو ما اعتبره مراقبون مكسبا دبلوماسيا مهما للرئيس التركي ورسالة تعزز مكانة أنقرة داخل الحلف.
وبشكل عام تساهم خصائص كل من الولايات المتحدة وتركيا في تحديد مدى قوة الناتو، كما تساهم العلاقة بينهما في رسم حدودها، وهو ما يشدد عليه تقرير صادر عن مركز الأبحاث الأمريكي، " المجلس الأطلنطي".
ويضيف المجلس في تحليله: " عندما تتفق القيادتان الوطنيتان في كلا البلدين، تتسع آفاق التنسيق العسكري والدبلوماسي والإستراتيجي، وعندما لا تتفقان، يسود الجمود والتوتر".
لكن على الرغم من حفاظ الرئيسين على نبرة إيجابية وأجندة بنّاءة، فإنه لا يزال الكثير غامضا بشأن مستقبل العلاقات الأمريكية التركية وما تنبئ به بالنسبة للناتو بشكل عام.
ما الملفات الشائكة بين البلدين؟على الرغم من الأجواء الإيجابية بين ترمب وأردوغان، فإن الرئيسين يسعيان عبر اللقاء في القمة إلى إذابة الجليد حول عدة مسائل خلافية أبرزها:قرار واشنطن استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات" إف-35″، وفرض عقوبات عليها في عام 2020 بعد حصول أنقرة على منظومات الدفاع الجوي" إس-400" روسية الصُّنع، والتي تعدها الولايات المتحدة تهديدا أمنيا.
فرض واشنطن عقوبات على" بنك خلق" المملوك للدولة التركية، والمتهم بالتحايل على العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران، حيث يقدر حجم تحويلات الأموال التي تشكّل جوهر هذه الاتهامات بنحو 20 مليار دولار، وفقا للائحة الاتهام الصادرة عن المدعي الفدرالي الأمريكي.
اعتراض أنقرة في وقت سابق على الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا" قسد"، التي تعتبرها أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني وتصنفها تنظيما إرهابيا، لكن الدعم الأمريكي تراجع لاحقا مع توقيع" قسد" اتفاق الاندماج في المؤسسات السورية في فبراير/شباط 2026.
يأتي الاجتماع بعد توقيع الولايات المتحدة وإيران، في يونيو/حزيران الماضي، مذكرة تفاهم تنص على وقف القتال ورفع الحصار البحري الأمريكي عن إيران وإعادة فتح مضيق هرمز.
مع ذلك تتردد شكاوى علنية للرئيس ترمب بشأن تقاعس الحلفاء عن الاضطلاع بدور في الجهود المبذولة لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام حرية الملاحة أو في المجهود العسكري ضد إيران.
ويفترض أن يكون هذا الملف من بين المحادثات بين ترمب وأردوغان.
وأبقت تركيا على موقف متوازن تجاه الحرب، معززة بذلك دورها الدبلوماسي لمنع توسع الصراع إقليميا والإضرار بمصالحها في المنطقة.
وفيما يتعلق بمذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان: " من ناحية الإرادة السياسية، فإن كلا الطرفين جاد للغاية بشأن الأهداف النهائية".
لكنه أوضح أيضا أن المذكرة الموقّعة تركت العديد من القضايا الخلافية للمباحثات المستقبلية، بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات المفروضة على إيران، وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويقول مركز الأبحاث الأمريكي" المجلس الأطلنطي" في تقرير له، إن العلاقات الأمريكية التركية السليمة من شأنها أن تساعد في تأمين مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط وأوروبا، وينبغي أن تكون قمة الناتو لعام 2026 منصة لعرض هذه العلاقات.
ويشعر المسؤولون الأوروبيون بالقلق من أن الحرب على إيران، واستياء ترمب من الحكومات الأوروبية بسبب رد فعلها تجاهها، قد يلقي بظلاله على القمة.
وبحسب ما ذكرت وكالة رويترز، فإنه من المتوقع أن يذكر القادة في إعلان القمة أن" الحلفاء يؤكدون مجددا أنه لا يجب أن تمتلك إيران أبدا سلاحا نوويا، ويدعون إيران إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز".
اعتمدت الإدارة الأمريكية على تركيا للعب دور الوساطة من أجل إنهاء الحرب في أوكرانيا، إذ يُحسَب لأنقرة اتباعها نهجا دبلوماسيا متوازنا منذ اندلاع الأزمة، بوقوفها على المسافة ذاتها من الأطراف المتنازعة.
ويقول أردوغان إن بلاده" هي الجهة الوحيدة القادرة على التحدث مباشرة مع كل من الرئيسين الروسي والأوكراني".
ومن المتوقع أن يكون هذا الملف على طاولة النقاش بين الرئيسين التركي والأمريكي، وقد أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عشية القمة، استعداد تركيا لاستضافة جولة جديدة من المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، لكنه أشار إلى أنه لا يتوقع انعقادها في المستقبل القريب.
وكشف الوزير التركي أن روسيا وأوكرانيا مستعدتان للدخول في محادثات ومفاوضات، إلا أن العملية ما زالت بحاجة إلى تأثير الولايات المتحدة.
وتحدث ترمب قبيل انعقاد القمة غدا الثلاثاء قائلا: " سوف نذهب إلى الناتو، وسوف نتحدث عن هذا، وأعتقد، أننا سنقوم بذلك.
أعتقد أننا سننهي هذه الحرب".
ومن المتوقع خلال أعمال القمة، وفق ما كشفت عنه وكالة رويترز، أن يتعهد الحلفاء بتقديم 70 مليار يورو في شكل عتاد عسكري ومساعدة وتدريب لأوكرانيا، والتأكيد على التزاماتهم السيادية بالحفاظ على مستويات معادلة على الأقل في عام 2027.
لكن من غير المرجح أن تساهم الولايات المتحدة في التمويل.
ما طبيعة الخلافات داخل الناتو؟تنعقد القمة في وقت حاسم بالنسبة للحلف مع تقليص الولايات المتحدة لدورها الأمني في أوروبا، حيث تضغط واشنطن على حلفائها لتحمل المزيد من عبء الإنفاق العسكري.
وفي قمة العام الماضي اتفقت الدول الأعضاء الـ32 العام على إنفاق 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، من بينها 3.
5% في ميزانياتها الدفاعية و1.
5% على الطرق والجسور والموانئ، حتى تتمكن القوات والمعدات من التحرك بشكل أسرع في أوقات الصراع، لكنّ عددا قليلا من الدول الأعضاء أبدى التزاما فعليا بالنسب المقترحة.
ومن حيث المبدأ تدعم تركيا زيادة الإنفاق العسكري لكنها تطالب بتوزيع عادل للأعباء داخل الحلف وبإشراكها في المبادرات وخطط الدفاع الأوروبية.
ويمكن لأنقرة عبر الاجتماع المرتقب بين أردوغان وترمب، أن تعول على واشنطن لممارسة ضغوط على الحلفاء الأوروبيين.
وقبل القمة قال سفير الولايات المتحدة لدى حلف الناتو ماثيو ويتاكر إن بلاده لديها إجراءات ستتخذها مع أولئك الذين لا يلتزمون بالمطلوب منهم، دون تقديم إيضاحات عن ذلك.
ويشير نص اطلعت عليه رويترز، إلى أنه من المتوقع أن يعلن الحلفاء الأوروبيون وكندا عن تحمّل أعباء أكبر داخل الحلف بالتعاون مع الولايات المتحدة، بعد زيادات في استثماراتهم في الاحتياجات الدفاعية قُدرت بأكثر من 139 مليار دولار في 2025.
ماذا تريد تركيا خلف صفقات الأسلحة؟تسعى تركيا إلى تسليط الضوء على قدراتها المتنامية في مجال الصناعة الدفاعية، وتكرار دعوتها المستمرة منذ فترة طويلة لأعضاء الحلف برفع جميع القيود المفروضة على التجارة الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي.
وفي المحادثات الثنائية مع ترمب، من المتوقع أن يسلط أردوغان الضوء على تحسن العلاقات بين أنقرة وواشنطن، مع الضغط من أجل رفع العقوبات الأمريكية واستئناف المشاركة في برنامج الطائرات المقاتلة من طراز" إف-35".
ومن المتوقع كذلك أن يتم الإعلان عن صفقات بعشرات المليارات من الدولارات خلال منتدى لصناعة الدفاع بموازاة قمة الناتو في أنقرة.
ورغم أن الجيش التركي هو ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، فإنه يفتقر إلى أنظمة دفاع صاروخي متكاملة خاصة به، ويعتمد بشكل كبير على أنظمة حلف شمال الأطلسي وطائراته المقاتلة.
وتعمل أنقرة على تجاوز مفاوضاتها المتعثرة مع باريس وروما، للحصول على منظومة سامب/تي ضمن شبكة الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة التي تخطط لامتلاكها، وتُسمى (القبة الفولاذية).
ويمكن لهذه المنظومة تعقب عشرات الأهداف في آن واحد واعتراض تهديدات متعددة في وقت واحد، وهو النظام الوحيد المصنوع في أوروبا الذي يُقال إنه قادر على اعتراض الصواريخ الباليستية.
وذكر رئيس اللجنة العسكرية في حلف شمال الأطلسي جوزيبي كافو دراغوني، أن امتلاك تركيا نحو أربعة آلاف شركة في الصناعات الدفاعية، ووجودها ضمن أكبر عشر دول مُصدرة للأسلحة، إلى جانب أكثر من 100 ألف مهندس وكادر فني متخصص، يجعلها شريكا مهما يحظى بتقدير ومتابعة من قِبل حلفاء الناتو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك