في عداد المظاهر التي قد تفلح في التشديد على جوانب «البطل» في شخصيته، كما تتيح مزيداً من استعراض العضلات عبر مقولته الأحدث «أستطيع فعل أي شيء»، دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تحدّ مع الطقس الحار الذي يضرب أمريكا هذه الأيام، وتوعد بأنه سيلقي خطاب الاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة تحت درجات حرارة تتجاوز 107 فهرنهايت (41 مئوية).
وأما أحقاب التاريخ الأمريكي، وتحديداً تلك الجوانب التأسيسية التي تحظى بقيمة رمزية، فقد سعى ترامب إلى التمسح بها عن طريق اختيار النصب التذكاري الوطني في جبل راشمور حيث نُحتت وجوه أربعة من رؤساء أمريكا الرواد، ليس بهدف الثناء على «الحلم الأمريكي» العتيق دون سواه فحسب، بل أساساً كي يؤجج مخاوف أنصاره حيال مخاطر انتخابات التجديد النصفي المقبلة، من زاوية «التهديد الشيوعي» التي أكل الدهر الأمريكي عليها وشرب، ومحاولة «اجتثاث الروح الأمريكية منّا، وإبعادنا عن تاريخنا» حسب تعبيره.
ذلك لأنّ الطقس الحار لم يكن وحده الذي ألهب أجواء احتفالات الذكرى، بل تكفلت بزيادة اللهيب انتصارات مرشحي القوى ذات التوجهات اليسارية والتقدمية داخل الحزب الديمقراطي، متضافرة كذلك مع هبوط شعبية ترامب إلى مستويات دنيا قياسية.
ليس بمعزل أيضاً عن اتساع الشقاق ضمن صفوف أنصاره بين دعاة «استعادة أمريكا» وتيارات التفوق الأبيض الشعبوية أو العنصرية، وبين المؤمنين بمزايا النظام الفدرالي رغم انحيازهم إلى سياسات ترامب الداخلية.
والسنوات الـ250 التي شكلت عمر الولايات المتحدة الرسمي لم تكن وليدة «الحلم الأمريكي» وحده، الذي بدأ أصلاً من مفهوم صوفي غامض مثقل في الآن ذاته بالإبادة الجماعية للأقوام الأصلية والاستيطان القسري واستعمار الجغرافيا وغزو الشعوب واجتياح أفريقيا لاستيراد البشر على هيئة عبيد.
إنها بالتوازي والتكامل أمريكا التي شنت منذ العام 1776 نحو 400 حرب أو غزو أو تدخل عسكري، بينها حربان عالميتان وأخرى شملت أفغانستان والعراق وفنزويلا وإيران، وتنتشر 128 من قواعدها العسكرية في 51 دولة على امتداد العالم، وتساند حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة كما تمدّ حروب الاحتلال الأخرى بالمال والعتاد والدعم الدبلوماسي، ورئيسها يهدد اليوم باحتلال جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك.
وفي التوقف عند الذكرى كان مجلس تحرير صحيفة «نيويورك تايمز» قد أشار إلى واحدة من أبرز تناقضات «الحلم الأمريكي»، تمثلت في أن إلحاح الآباء المؤسسين على مبادئ الحرية والمساواة لم يمنعهم من الاستمرار في تملك العبيد.
وفات الصحيفة أن تكمل أن المزاعم ذاتها لا تمنع اليوم أحفاد الأحفاد من ارتكاب أبشع الانتهاكات العنصرية والإرهابية والفاشية.
وبهذا المعنى فإن إحياء الذكرى الـ250 لا يصح أن يقتصر على خطاب تمجيد الماضي والتغني بدروسه وخلاصاته، ثمّ نبش أساليب الحرب الباردة والتخويف من مدّ شيوعي سوف يجتاح أمريكا، وتعميق محاور الشقاق داخل المجتمع الأمريكي، بل من الواجب أن يُطرح سؤال أكبر لا مفرّ من مجابهته، محلياً ودولياً: أي أمريكا تُستعاد اليوم، كيف وأين؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك