لم يكن أمام مصطفى محمود، وهو شاب سوداني في الـ20 من عمره يسكن في ضاحية جبرة بجنوب الخرطوم، خيار بعدما فقد عمله في إحدى الشركات المحلية عقب اندلاع الحرب بين الجيش وقوات" الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) 2023، حين نزح إلى مدينة أكثر هدوءاً من دون أن يكون له مصدر دخل ثابت، لكنه يمتلك هاتفاً ذكياً واتصالاً متقطعاً بالإنترنت، وتمكن خلال أشهر من تعلم أساسيات التصميم عبر فيديوهات مجانية، وبدأ في تقديم خدماته على منصات العمل الحر، فنما دخله بصورة لا يمكن وصفها، وبات لديه عملاء من خارج السودان، مؤكداً أن" العمل الرقمي لم يكن رفاهية، بل وسيلة للبقاء".
قصة مصطفى ليست استثناءً، بل تعكس تحولاً واسعاً بين الشباب السوداني، الذين وجدوا في الفضاء الرقمي بديلاً عن سوق العمل المنهار، ووسيلة لإعادة بناء حياتهم الاقتصادية.
في ظل انهيار القطاعات التقليدية، برز العمل من بعد كأحد أهم البدائل الاقتصادية للشباب السوداني، بخاصة في مجالات مثل التصميم والترجمة والتسويق الرقمي والبرمجة.
هذا التحول لم يكن مدفوعاً فقط بالرغبة في العمل، بل بغياب الفرص داخل السوق المحلية.
يقول المتخصص في الاقتصاد الرقمي، محمد طارق، إن" ما يحدث في السودان هو تحول قسري نحو الاقتصاد الرقمي، فالحرب أدت إلى تعطيل شبه كامل للقطاع الخاص، مما دفع الشباب للبحث عن مصادر دخل خارجية، إذ نجد أن منصات العمل الحر مثل Upwork وFiverr أصبحت تشهد تزايداً ملحوظاً في عدد المستخدمين السودانيين على رغم التحديات المرتبطة بالدفع الإلكتروني".
وتابع طارق" هذا النمط من العمل يوفر ميزة أساسية، وهي التحرر من الجغرافيا، إذ يمكن للشباب العمل مع شركات وأفراد في مختلف أنحاء العالم من دون الحاجة لمغادرة البلاد.
كذلك أن العائدات غالباً ما تكون بالدولار، ما يمنحهم قدرة أفضل على مواجهة التضخم وانهيار العملة المحلية".
وأردف أن" هذا التحول لا يخلو من التحديات، أبرزها ضعف البنية التحتية للإنترنت وصعوبة الوصول إلى وسائل الدفع الدولية، إضافة إلى غياب التدريب المؤسسي المنظم".
ومع ذلك يرى طارق أن" هذه التجربة قد تؤسس لاقتصاد رقمي حقيقي في السودان، إذا ما جرى دعمها بسياسات حكومية مستقبلية، مثل تحسين الإنترنت وتسهيل التحويلات المالية".
لم يكن كثير من الشباب يمتلك مهارات رقمية متقدمة قبل الحرب، لكن الضرورة دفعتهم إلى التعلم السريع، إذ انتشرت مبادرات فردية ومنصات تعليمية مجانية ساعدت الآلاف على اكتساب مهارات جديدة خلال فترة قصيرة.
توضح المدربة في مجال التسويق الرقمي سارة عبدالله أن" الإقبال على تعلم المهارات الرقمية تضاعف بصورة لافتة منذ بداية الحرب، بخاصة بين النساء والشباب النازحين، فالعمل من بعد فتح باباً جديداً لمن لم تكن لديهم فرصة للعمل سابقاً خصوصاً في المجتمعاًت المحافظة أو المناطق المهمشة".
وأضافت عبدالله أن" أكثر المهارات طلباً حالياً تشمل إدارة صفحات التواصل الاجتماعي وكتابة المحتوى والتصميم الغرافيك وخدمة العملاء من بعد، إذ تمكن كثير من المتدربين من الحصول على أول دخل لهم خلال أشهر قليلة فقط من التعلم".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)لكنها تحذر من الاعتماد على التعلم العشوائي، مؤكدة أهمية وجود مساراًت تدريب واضحة، وشهادات معترف بها تعزز فرص المنافسة في السوق العالمي، كذلك تشدد على ضرورة تطوير مهارات اللغة الإنجليزية، التي لا تزال تمثل عائقاً أمام شريحة واسعة من الشباب.
وترى المدربة في مجال التسويق الرقمي أن" الاستثمار في التعليم الرقمي هو أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي في السودان، بخاصة في ظل صعوبة إعادة بناء القطاعات التقليدية في المدى القريب".
على رغم الفرص التي يوفرها العمل الرقمي، فإن البيئة التقنية في السودان لا تزال تمثل تحدياً كبيراً، إذ يعاني المستخدمون ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء وصعوبة الوصول إلى أدوات العمل الأساسية.
يؤكد المهندس التقني عبدالرحمن يوسف أن" العمل من بعد في السودان يتطلب جهداً مضاعفاً مقارنة بأي دولة أخرى"، مشيراً إلى أن" انقطاع الإنترنت قد يؤدي إلى فقدان فرص عمل أو التأخر في تسليم المشاريع، مما يؤثر في سمعة العاملين في المنصات الدولية".
ولفت يوسف إلى مشكلة الدفع الإلكتروني، إذ يواجه كثير من الشباب صعوبة في تسلم مستحقاتهم بسبب القيود المصرفية.
ويلجأ البعض إلى وسطاء أو طرق غير رسمية، مما يعرضهم لأخطار مالية.
واستطرد أن" غياب بيئة رقمية مستقرة يحد من قدرة السودان على الاستفادة الكاملة من اقتصاد العمل الحر، على رغم الإمكانات البشرية الكبيرة".
وأكد أن" تحسين البنية التحتية الرقمية يجب أن يكون أولوية في أي خطة لإعادة الإعمار".
وبين المهندس التقني أن" الشباب السوداني أظهر قدرة عالية على التكيف من خلال استخدام أدوات بديلة والعمل في أوقات محددة تتوفر فيها الخدمة، وحتى الاعتماد على الإنترنت عبر دول مجاورة في بعض الحالات".
فتح العمل من بعد أبواباً غير مسبوقة أمام الشباب السوداني للاندماج في السوق العالمية، والتعامل مع ثقافات ومؤسسات مختلفة.
هذا الانفتاح لم يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى تطوير الوعي المهني والمهارات الشخصية.
تقول الباحثة في شؤون العمل سمية الصادق إن" الجيل الجديد من السودانيين أصبح أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي من أي وقت مضى"، مشيرة إلى أن العمل مع عملاء دوليين يعزز من معايير الجودة والانضباط المهني.
وأضافت الصادق أن" هذه التجربة تسهم في بناء شبكة علاقات دولية، قد تفتح لاحقاً فرصاً أكبر، مثل العمل الدائم أو الهجرة المهنية، كذلك التعرض لبيئات عمل مختلفة يساعد في نقل المعرفة والخبرات إلى الداخل".
لكنها تكشف عن أن" المنافسة في السوق العالمية شرسة، وتتطلب مستوى عالياً من الاحترافية والالتزام، كذلك فإن غياب الحماية القانونية للعاملين المستقلين يمثل تحدياً إضافياً".
وترى الباحثة في شؤون العمل أن" المستقبل يحمل فرصاً كبيرة إذا ما دعم هذا التوجه عبر سياسات تعليمية واقتصادية مناسبة، فالعمل الرقمي ليس حلاً موقتاً، بل قد يكون أحد أعمدة الاقتصاد السوداني في المرحلة المقبلة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك