ضياء ليلوة تثير التصريحات المنسوبة إلى النائب العراقي السابق بهاء الأعرجي، والتي تحدث فيها عن قيادة مجموعة نيابية عملت على تعطيل مئات المشاريع الاستراتيجية والحيوية خلال فترة حكومة نوري المالكي، إشكاليات قانونية ودستورية عميقة تتجاوز الجدل السياسي والإعلامي، لتصل إلى جوهر مفهوم الوظيفة النيابية وحدود المعارضة البرلمانية، وما إذا كان تعطيل المشاريع العامة لأهداف سياسية يمكن أن يرقى إلى مستوى المسؤولية الدستورية أو الجنائية.
ومن الناحية القانونية، فإن تقييم مثل هذه التصريحات لا يمكن أن يبنى على الانطباعات أو المواقف السياسية، وإنما على ثلاثة عناصر قانونية أساسية، هي: حقيقة الوقائع، والقصد القانوني، والأثر المترتب عليها.
أولاً، يجب التمييز بين المعارضة البرلمانية المشروعه وتعطيل المصلحة العامة.
فالأنظمة الديمقراطية تمنح أعضاء البرلمان حق رفض القوانين، أو الاعتراض على العقود، أو إسقاط المشاريع التي يرونها مخالفة للقانون أو مشوبة بالفساد، وهذا يدخل ضمن الوظيفة الرقابية التي كفلها الدستور العراقي.
بل إن تعطيل مشروع غير قانوني أو يضر بالمال العام قد يكون واجباً دستورياً لا جريمة.
أما إذا كان التعطيل قد تم، وفق التصريحات المنسوبة، بقصد إفشال الحكومة سياسياً بغض النظر عن مصلحة الدولة أو المواطنين، فإن الأمر ينتقل من نطاق المعارضة السياسية إلى نطاق إساءة استعمال السلطة التشريعية، لأن النائب يمثل الشعب بأكمله وليس الحزب أو الكتلة التي ينتمي إليها.
ومن منظور الفقه الدستوري، فإن استعمال الصلاحيات الدستورية لتحقيق غايات تتعارض مع المصلحة العامة يعد انحرافاً في استعمال السلطة (Abuse of Power)، وهو مبدأ مستقر في القضاء الإداري والفقه الدستوري المقارن.
ثانياً، من الناحية الجنائية، فإن مجرد التصريح الإعلامي لا يشكل دليلاً قانونياً كافياً للإدانة.
فالاعتراف في القانون الجنائي لا ينتج أثره إلا إذا توافرت شروطه القانونية، ومنها أن يكون محدداً، وصادراً أمام جهة تحقيق مختصة، ومدعوماً بأدلة مادية أخرى.
أما التصريحات الإعلامية أو السياسية، مهما بلغت صراحتها، فإنها لا تكفي وحدها لإقامة المسؤولية الجنائية، وإنما قد تشكل سبباً قانونياً لفتح تحقيق أولي، تتحقق فيه السلطات القضائية من الوقائع والوثائق ومحاضر التصويت والمراسلات والإجراءات التي رافقت تلك المشاريع.
وبالتالي فإن القول إن “هذا الاعتراف وحده يكفي للإطاحة به” هو استنتاج سياسي أكثر منه حكماً قانونياً، لأن دولة القانون لا تبني الإدانة على التصريحات الإعلامية وحدها، وإنما على الأدلة التي تخضع للمواجهة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة.
ثالثاً، إذا ثبت أن التعطيل كان متعمداً ويهدف إلى الإضرار بالمصلحة العامة، فإن المسؤولية قد تتجاوز المسؤولية السياسية لتصل إلى المسؤولية الجنائية أو المدنية بحسب طبيعة الأفعال المرتكبة.
فإذا أدى التعطيل إلى هدر المال العام، أو إلغاء عقود بصورة غير قانونية، أو التسبب بأضرار مالية جسيمة للدولة، فقد تنشأ مسؤوليات تستند إلى أحكام التشريعات الجزائية المتعلقة بالإضرار العمدي بالمال العام أو إساءة استعمال الوظيفة أو استغلال النفوذ، بحسب الوقائع التي يثبتها القضاء.
أما إذا اقتصر الأمر على ممارسة وسائل دستورية، كرفض التشريعات أو الامتناع عن التصويت، فإن المسؤولية تبقى سياسية أمام الناخبين، ولا تتحول تلقائياً إلى مسؤولية جنائية.
رابعاً، تثير هذه التصريحات أيضاً مسألة المسؤولية الدستورية للنائب.
فالنائب، وفق فلسفة النظام النيابي، يؤدي اليمين الدستورية على حماية مصالح الشعب والدولة، وليس على حماية الحكومات أو إسقاطها بأي وسيلة.
وعندما تصبح الخدمات العامة، والكهرباء، والمستشفيات، والمدارس، والطرق أدوات في الصراع السياسي، فإن ذلك يمثل إخلالاً بمبدأ أساسي من مبادئ الحكم الرشيد، وهو أن المرافق العامة يجب أن تبقى بمنأى عن الصراعات الحزبية، لأن المستفيد منها هو المواطن لا الحكومة.
خامساً، من منظور القانون الإداري، فإن تعطيل المشروعات العامة دون سند قانوني يمكن أن يثير مسؤولية الدولة في حماية المصلحة العامة، كما يفتح الباب أمام مساءلة الجهات التي استغلت سلطاتها لتحقيق أهداف سياسية على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وهي حقوق كفلها الدستور العراقي والمواثيق الدولية، ومنها الحق في التنمية، والتعليم، والصحة، والخدمات الأساسية.
وفي المقابل، ينبغي الحذر من تحويل كل خلاف سياسي سابق إلى اتهام جنائي بأثر رجعي، لأن ذلك قد يهدد مبدأ الأمن القانوني واستقرار المؤسسات.
ولهذا فإن أي مساءلة يجب أن تستند إلى تحقيقات مستقلة، وأدلة موثقة، وتمييز واضح بين التعطيل المشروع للمشاريع غير القانونية، وبين التعطيل المتعمد للمشاريع التي تحقق منفعة عامة.
إذا صحت التصريحات المنسوبة إلى بهاء الأعرجي، وكانت تعني بالفعل وجود تنسيق متعمد لإفشال مشاريع الدولة لأغراض سياسية، فإنها تستوجب، من منظور دولة القانون، فتح تحقيق قضائي مستقل لتحديد حقيقة الوقائع، وتمييز ما يدخل في إطار المعارضة الدستورية المشروعة مما قد يشكل انحرافاً في استعمال السلطة أو فعلاً يرقى إلى المسؤولية القانونية.
أما اعتبار التصريح وحده دليلاً قاطعاً على الخيانة أو سبباً كافياً للإدانة أو الإقصاء، فلا ينسجم مع المبادئ الأساسية للعدالة الجنائية، التي تقوم على قرينة البراءة، وعبء الإثبات، واستقلال القضاء.
إن قوة دولة القانون لا تظهر في سرعة إطلاق الاتهامات، وإنما في قدرتها على تحويل الادعاءات الخطيرة إلى تحقيقات مهنية، تنتهي إما إلى مساءلة من يثبت تجاوزه للقانون، أو إلى تبرئة من لم تثبت مسؤوليته، وفقاً لمبادئ الشرعية والإجراءات القانونية السليمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك