يتساءل كثر: ما الذي جعل ويجعل أوروبا خصوصاً والغرب عموماً مركزاً حضارياً مهيمناً في لعبة كرة القدم اليوم، على رغم أن أصول اللعبة الشعبية هي صينية، وأن معظم الفرق المهيمنة على اللعبة تاريخياً وحتى هذا اليوم هي دول لاتينية، وأهمها البرازيل والأرجنتين، فيما تتميز حتى المنتخبات الأوروبية بعدد لا يستهان به من اللاعبين الأفارقة والعرب المحترفين، والإجابة عن هذه التساؤلات محددة بعاملين رئيسين: الأول هو التقدم التكنولوجي الذي عم أوروبا أولاً، والذي أسهم في جذب جمهور واسع للعبة، فيما العامل الثاني هو تغيير قواعد اللعبة باستمرار، الذي أسهمت به كثيراً دول مثل إنجلترا.
وبذلك يمكن القول إن هذين العاملين قد نقلا اللعبة من الفوضى وركلات الشوارع إلى التنظيم والانتشار في جميع أنحاء العالم.
وبعد أن كانت لعبة تمارس لقرون من الزمن عبر ركلات الشوارع وفي مناطق مختلفة من العالم، استحوذت الدول المتقدمة على لعبة كرة القدم تماماً، وقد حدث ذلك بصورة تدرجية، ومع مرور الوقت تطورت كرة القدم على مدى قرن من الزمن من رياضة تمارس عبر ركلات الشوارع في مناطق مختلفة من أنحاء العالم، لتصل لاحقاً إلى الملاعب العالمية.
وتؤكد المحطات التاريخية الرئيسة للعبة أن التغييرات الكثيرة في قواعدها ثم التقدم التكنولوجي هما العاملان الرئيسان اللذان أديا إلى استحواذ دول متقدمة على هذه الرياضة.
وعلى رغم أهمية ذلك فلن يتحول بحثنا هذا إلى محاولة لإثبات وجهة نظر معينة في ما يتعلق تحديداً بصاحب فكرة هذه اللعبة الأصلي، إذ تؤكد فكرة وضع قواعد اللعبة نظرياً أن الأوروبيين والإنجليز تحديداً كانت لهم البصمة الأوضح في تطوير اللعبة، فـ" التوحيد القياسي لمعايير اللعبة"، الذي حدث في غرب العالم، يدل على أن نشأة كرة القدم الحديثة انطلقت بتأسيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم (FA) عام 1863، فقد تأسس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم في إنجلترا لتوحيد قواعد اللعبة، وكانت هذه" لحظة محورية" في تاريخ كرة القدم، إذ ميزت بوضوح بين كرة القدم العالمية وكرة الرغبي.
ومن أجل تحقيق ذلك، وتقديم القواعد الأساسية لهذه اللعبة التي كانت تتشابه كثيراً مع كرة القدم الأميركية، قام الاتحاد الإنجليزي بوضع أهم" قواعدها الموحدة" التي شملت ما يلي: حظر لمس الكرة باليد (باستثناء حارس المرمى) وتحديد أبعاد الملعب واستخدام كرة مستديرة مع التشديد على تطبيق قاعدة التسلل، وساعدت هذه التغييرات الأساسية في جعل اللعبة أكثر تنظيماً وسهولة.
تمثل التطور التكنولوجي في كرة القدم الحديثة بتطوير المعدات والتجهيزات الخاصة في اللعبة، " ففي بدايات اللعبة كان اللاعبون يرتدون أحذية ثقيلة، وكانت الكرات تصنع من الجلد وتمتص الماء بسهولة، أما اليوم فتوفر الكرات الاصطناعية خفيفة الوزن والأحذية الرياضية الحديثة تحكماً وسرعة وأماناً أفضل"، كذلك شمل استخدام التكنولوجيا مهارات التحكيم، إذ تساعد تقنية خط المرمى وتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) في اتخاذ القرارات.
من جهة ثانية، تراقب أجهزة تتبع نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وتحليلات البيانات أداء اللاعبين، فيما تعزز الملاعب الذكية تجربة المشجعين من خلال الإحصاءات الفورية التي تبث على شاشات العرض في الملعب وإعادة اللقطات التاريخية، وهي مهمة تقوم بها هذه الشاشات بصورة متكررة لزيادة الإثارة والمتعة.
ومن المهم الإشارة إلى أن التقدم التكنولوجي ينسب له كثير من الفضل في تجميل اللعبة، ولم يقتصر على الأدوات بل إنه توسع ليشمل الابتكارات التكتيكية، " وعلى مر العقود، شهدت كرة القدم ظهور تشكيلات تكتيكية متنوعة، بدءاً من تشكيلات معروفة في ثلاثينيات القرن الماضي ووصولاً إلى تشكيلات مثل 4-3-3 و4-2-3-1 مع مراعاة أنظمة الضغط الهجومي الحالية، وقد أعاد مدربون مثل يوهان كرويف وأريغو ساكي وبيب غوارديولا تعريف أساليب اللعب أكثر من مرة".
لا يوجد خلاف كبير حول أصول هذه اللعبة التي تحولت مع الوقت إلى صناعة تدر ملايين الدولارات وإلى منظومة اقتصادية ضخمة تنتشر عبر مختلف القارات، فالجذور القديمة لهذه الرياضة هي الألعاب الشعبية، لكن هناك اختلافاً على موطن كرة القدم الأصلي التي مورست في أماكن عامة وفي الشوارع على مدى هذه العقود.
فموطن اللعبة الأصلي المعروف لكثيرين هو الصين، وفي هذا السياق يقول فريق الموقع الرياضي الإنجليزي sportstimes.
uk الذي أعد مقالة بهذا الشأن" بدأت كرة القدم الحديثة في التبلور في القرن الـ19، إلا أن أشكالاً مختلفة من ألعاب ركل الكرة كانت موجودة منذ قرون"، وهنا يشير الموقع إلى أن" الحضارات القديمة، بما في ذلك لعبة ’كوجو‘ الصينية، وكرة القدم الشعبية الأوروبية في العصور الوسطى، هي التي أرست الأساس لما نعرفه اليوم باسم كرة القدم".
ومن خلال مقالة على موقع sportstimes.
uk جاءت تحت عنوان" تطور كرة القدم: من ركلات الشوارع إلى الملاعب العالمية"، وضع الموقع ما قال إنه خلاصة هذه الفكرة وعبر عن ذلك بالقول" من مباريات الشوارع الفوضوية إلى البطولات العالمية المثيرة، يعكس تطور كرة القدم تحولات مجتمعية وتكنولوجية وثقافية أوسع.
ومع استمرار نمو هذه الرياضة، يبقى شيء واحد ثابتاً: قدرة كرة القدم على إلهام وتوحيد وإثارة الناس من جميع الأعمار حول العالم".
وجاء في مستهل المقالة" شهدت كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية في العالم، تحولاً ملحوظاً من بداياتها المتواضعة في الشوارع والملاعب إلى ظاهرة عالمية تمارس في بعض أشهر الملاعب".
وتستكشف هذه المقالة رحلة تطور كرة القدم، مسلطة الضوء على المحطات التاريخية الرئيسة، والتغييرات في القواعد، والتقدم التكنولوجي، وصعود هذه الرياضة عالمياً.
لكن الحقيقة أن هذه المقالة متحيزة للغاية، لذلك يمكن القول إنها تركز على زاوية نظر معينة وهي زاوية النظر الأوروبية أو الإنجليزية لهذه اللعبة، إذ أظهرت المقالة" التأثير الإنجليزي المبكر" في لعبة كرة القدم، وهو تأثير كبير وتعترف به كل الأوساط الرياضية، ولهذا جاء في المقالة أيضاً" بحلول القرن الـ19، ازدادت شعبية كرة القدم في المدارس والمجتمعات الإنجليزية، وعلى رغم غياب قواعد موحدة، كان لكل منطقة نسختها الخاصة من اللعبة، وقد أدى ذلك إلى الارتباك وعدم الاتساق، بخاصة خلال المباريات بين المدارس".
المحطات اللاحقة لهذه اللعبة معروفة، وتشمل الانتشار بفضل النفوذ البريطاني ثم تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، ليستمر حال اللعبة عند ذلك حتى وصلنا إلى حقبة العولمة.
وبعد العولمة وأثرها الكبير الذي لا بد من التوسع به قليلاً، دخلت كرة القدم مرحلة" القوة التجارية" التي منحتها بعداً ثقافياً واجتماعياً جديدين.
فمع توسع الإمبراطورية البريطانية، ازدهرت كرة القدم، و" سرعان ما اكتسبت الرياضة شعبية في دول مثل البرازيل والأرجنتين والهند وجنوب أفريقيا، إذ تشكلت الأندية والبطولات في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20".
وفي عام 1904 أُسس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) في باريس للإشراف على المنافسات الدولية.
وأدت هذه المنظمة دوراً محورياً في نشر اللعبة عالمياً وتنظيم البطولات، بما في ذلك بطولة كأس العالم الحالية.
بعد عولمة كرة القدم كانت السمة الأبرز لهذه اللعبة هي تزايد البطولات الكبرى، فاستقطبت فعاليات مثل كأس العالم لكرة القدم، ودوري أبطال أوروبا، وكأس كوبا - أميركا، مليارات المشاهدين حول العالم، مما أبرز جاذبية هذه الرياضة العالمية التي لا تضاهى.
ومن المؤكد أن جاذبية اللعبة استقطبت القوة التجارية، إذ أصبحت كرة القدم صناعة بمليارات الدولارات، مدفوعة وفق حقوق البث والرعاية والمنتجات الدعائية والمنصات الرقمية.
وفي وقتنا هذا تتمتع الأندية الكبيرة واللاعبين بشهرة واسعة في مختلف القارات.
اختلف الأثر الاجتماعي والثقافي للعبة كرة القدم كثيراً بعد العولمة وتشكل قوتها التجارية، وعلى رغم جميع السلبيات التي رافقت ذلك، فإن معظم المصادر الرياضية الرئيسة تؤكد أن كرة القدم أصبحت اليوم قوة ناعمة كبرى للوحدة والتبادل الثقافي، فاللعبة ما زالت تدعم بعض مبادرات تنمية المجتمع وترعى بعض فعاليات وحملات مكافحة التمييز، لذلك فإنه وفي الغالب تكون هذه الرياضة وسيلة إيجابية للتغيير الاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك