اقتصاد قادر على الصمود والحفاظ على الاستقرار رغم التحدياتشهد تصنيف الأردن ضمن فئات الدخل لدى البنك الدولي تغيراً لافتاً خلال السنوات الثلاثة الماضية، بعدما انتقل من فئة الدخل المتوسط المرتفع إلى فئة الدخل المتوسط المنخفض في تصنيف 2024، قبل أن يعود مجدداً إلى فئة الدخل المتوسط المرتفع في إصدار البنك الدولي لعام 2027.
ويثير هذا التحول اهتماماً اقتصادياً واسعاً، في ظل التساؤلات حول ما إذا كان يعكس تحسناً فعلياً في الأداء الاقتصادي، أم أنه جاء نتيجة تحديثات إحصائية ومنهجية أعادت تقدير حجم الاقتصاد الوطني ومستويات الدخل، ما انعكس على موقع الأردن ضمن التصنيفات الدولية، علما بأن منهجية البنك الدولي تعتمد على تجديد التصنيف كل ثلاث سنوات بمعنى شموله الفترة الزمنية من العام الذي يبدأ فيه تجديد إلى نهاية العام الثالث من عام التجديد حيث أن السنة المالية المعتمدة لدى البنك الدولي تمتد من تموز (يوليو) حتى حزيران (يونيو) إلى العام 2027.
وأكد اقتصاديون أن رفع تصنيف الأردن يمثل مؤشراً إيجابياً في مسيرة الاقتصاد الوطني، ويوفر دفعة معنوية مهمة تعكس تحسن صورة الاقتصاد الكلي وعودة المملكة إلى فئة كانت تنتمي إليها سابقاً.
وأشاروا إلى أن التصنيف الجديد يعزز مكانة الأردن كاقتصاد قادر على الصمود والحفاظ على الاستقرار رغم التحديات الإقليمية والاقتصادية، ويمنح المستثمرين والمؤسسات الدولية انطباعاً أكثر إيجابية حول الاقتصاد الوطني، مما يعزز تدفق مزيد من الاستثمارات.
كما لفتوا إلى أن تحسن التصنيف قد يؤثر على أهلية الأردن للحصول على بعض المنح والبرامج التمويلية الميسرة المخصصة للدول الأقل دخلاً، إلا أنهم أكدوا أن الأردن يتمتع بخصوصية لدى المؤسسات الدولية نتيجة أعباء اللجوء، وارتفاع الدين العام، والظروف الإقليمية، والضغوط المالية والاجتماعية، ومحدودية الموارد الطبيعية.
وشددوا على أهمية ألا يحجب التصنيف الجديد الحاجة إلى سياسات اقتصادية تضمن انعكاس النمو على المستوى المعيشي للمواطنين، مع استمرار المطالبة بدعم دولي يراعي خصوصية الأردن.
وكشف الإصدار الجديد لتصنيفات دخل الدول الصادر عن مجموعة البنك الدولي لعام 2027 عن رفع تصنيف الأردن من فئة الدخل المتوسط الأدنى إلى فئة الدخل المتوسط الأعلى، بعد مراجعة شاملة للحسابات القومية الأردنية، حيث تم نشر هذا الإصدار مطلع شهر تموز(يوليو)الحالي.
وأوضح البنك الدولي أن دائرة الإحصاءات العامة استكملت عملية إعادة احتساب البيانات الوطنية، لتظهر النتائج أن حجم الاقتصاد الأردني أكبر بنحو 10 % مقارنة بالتقديرات السابقة، وذلك نتيجة توسيع نطاق التغطية الإحصائية، وتحديث المسوحات، والاستفادة من مصادر بيانات جديدة، إلى جانب تطوير منهجية إعداد الحسابات القومية.
ويأتي هذا التحسن في تصنيف الدخل للأردن بعد أن شهد معدل نمو اقتصادي خلال الربع الأول من العام الحالي 2.
9 %، متجاوزا توقعات البنك الدولي والتي تفترض أن يبلغ 2.
7 %، رغم الظروف الإقليمية وحالة عدم اليقين الاقتصادي التي تسود المنطقة.
حيث أظهرت البيانات الرسمية أن التحسن المتحقق على صعيد النمو الاقتصادي يعود إلى ارتفاع في أداء الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وكان من أبرز القطاعات الإنتاجية التي قادت النمو الاقتصادي، تمثلت بكل من قطاعات الزراعة والصناعة والتعدين والكهرباء، حيث حقق قطاع الزراعة أعلى نسبة نمو بلغت 6.
8 %، يليه قطاع الصناعة التحويلية بنسبة 5.
3 %، ثم قطاع التعدين والمحاجر بنسبة 4.
7 %، ثم قطاع الكهرباء بنسبة بلغت 4.
3 %.
عودة سريعة بعد خفض التصنيف في 2024يأتي رفع تصنيف الأردن بعد أن كان البنك الدولي قد خفضه خلال تصنيف الأعوام 2024-2026 إلى فئة الدخل المتوسط المنخفض، ليصبح حينها الدولة الوحيدة التي شهدت تراجعاً من فئة الدخل المتوسط المرتفع إلى المتوسط المنخفض.
ويصنف البنك الدولي اقتصادات العالم ضمن أربع فئات رئيسية هي: منخفض الدخل، ومتوسط الدخل المنخفض، ومتوسط الدخل المرتفع، ومرتفع الدخل.
وبحسب التصنيف، تعد الدولة منخفضة الدخل إذا بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي 1175 دولاراً أو أقل، فيما تصنف ضمن فئة الدخل المتوسط المنخفض إذ تراوح نصيب الفرد بين 1176 و4635 دولاراً، بينما تنتمي إلى فئة الدخل المتوسط المرتفع إذا تراوح نصيب الفرد بين 4636 و14375 دولاراً، في حين تصنف الدولة ضمن فئة الدخل المرتفع إذا تجاوز نصيب الفرد 14375 دولاراً.
حسام عايش: التصنيف الجديد يعزز الثقة بالاقتصاد الأردنيكما أكد الخبير الاقتصادي حسام عايش أن رفع البنك الدولي تصنيف الأردن إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع يمثل عاملاً إيجابياً في المسيرة الاقتصادية الحالية، ويوفر دفعة معنوية مهمة، حيث تعكس العودة إلى هذه الفئة بعد عامين تحسناً في قراءة الاقتصاد الكلي وحجم النشاط الاقتصادي.
وأوضح أن التحديث جاء نتيجة مراجعة شاملة للحسابات القومية وإعادة احتساب سنة أساس جديدة للناتج المحلي الإجمالي، وهي المراجعة التي رفعت حجم الاقتصاد الأردني بنحو 10 %، إلى جانب مساهمة النمو الاقتصادي المسجل في عام 2025 والبالغ 2.
8 %.
وأشار إلى أن هذا النمو، إلى جانب تحديث البيانات، رفع نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي وفق منهجية" أطلس" المعتمدة لدى البنك الدولي إلى 5260 دولاراً، متجاوزاً الحد الأدنى لفئة الدخل المتوسط المرتفع والبالغ 4636 دولاراً.
وبين عايش أن العامل الحاسم في إعادة التصنيف لم يكن النمو الاقتصادي وحده، وإنما إعادة احتساب سنة الأساس، التي أظهرت أن الاقتصاد الأردني أكبر بنحو10 % من التقديرات السابقة، نتيجة توسيع التغطية الإحصائية، وتحديث البيانات، وإدخال مصادر معلومات جديدة، وتحسين منهجية إعداد الحسابات القومية، بما يشمل احتساب أنشطة اقتصادية لم تكن مدرجة سابقاً.
وأضاف أن هذا التطور يحمل دلالات اقتصادية مهمة، إذ يشير إلى أن الاقتصاد الأردني أكثر تنوعاً مما كانت تعكسه البيانات السابقة، الأمر الذي يسهم في تحسين قراءة الأداء الاقتصادي، ودعم عملية صنع السياسات العامة، وتعزيز صورة المملكة أمام المستثمرين والمؤسسات الدولية باعتبارها اقتصاداً يتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار، رغم البيئة الإقليمية المضطربة.
خصوصية الأردن تحافظ على فرص الدعم الدوليوفيما يتعلق بتعامل المؤسسات الدولية المانحة مع الأردن بعد رفع التصنيف، أوضح عايش أن تحسن تصنيف الدول غالباً ما يؤثر على أهليتها للحصول على بعض المنح والبرامج التمويلية الميسرة، باعتبار أن ارتفاع التصنيف يعكس قدرة أكبر على تمويل الاحتياجات المحلية.
إلا أنه أكد أن الأردن سيظل يحظى بمعاملة خاصة لدى المؤسسات الدولية، نظراً لتحمله أعباء اللجوء، وارتفاع الدين العام، ومستويات البطالة، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ومحدودية الموارد الطبيعية، إضافة إلى موقعه الجيوسياسي المهم، وهو ما يجعل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حريصين على استمرار دعمه باعتباره نموذجاً للاستقرار في المنطقة.
من جانبه، أكد مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض أن التصنيف الجديد يحمل دلالة إيجابية على مستوى الصورة العامة والمؤشرات الاقتصادية الكلية.
وأوضح أن عودة الأردن إلى فئة الدخل المتوسط المرتفع كما كان قبل عام 2017 تعكس توسعاً في الحجم المقدر للاقتصاد وارتفاعاً في نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي وفق المنهجية التي يعتمدها البنك الدولي.
وأشار إلى أن التحسن في المؤشر الدولي يعزز صورة الأردن كاقتصاد قادر على الصمود والحفاظ على الاستقرار رغم التحديات الإقليمية والاقتصادية.
وأضاف أن المتوسطات الإحصائية قد تخفي تفاوتات واسعة بين الفئات الاجتماعية والمناطق والقطاعات، ولا تعكس بالضرورة جودة فرص العمل أو كفاءة شبكات الحماية الاجتماعية والخدمات العامة.
كما حذر من احتمال أن يؤثر التصنيف الجديد على قدرة الأردن في الحصول على بعض أشكال التمويل الميسر أو التسهيلات الائتمانية منخفضة الكلفة، إذا اعتبرت بعض المؤسسات الدولية أن المملكة أصبحت أقل احتياجاً للدعم، رغم استمرار التحديات المرتبطة باللجوء وضغط الموارد والبطالة وكلفة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
ودعا إلى ضرورة مواصلة تنفيذ سياسات اقتصادية تضمن انعكاس النمو على حياة المواطنين، مع استمرار المطالبة بدعم دولي يراعي خصوصية الأردن وأعباءه.
الحموري: أثر التصنيف اسمي أكثر منه حقيقياًبدوره، رأى أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري أن إعادة تصنيف الأردن إلى فئة الدخل المتوسط المرتفع تعود بالدرجة الأولى إلى عوامل إحصائية، أكثر من كونها انعكاساً لتحول اقتصادي حقيقي.
وأوضح أن إعادة احتساب الحسابات القومية رفعت تقدير حجم الاقتصاد الأردني بنحو 10 %، الأمر الذي انعكس تلقائياً على متوسط دخل الفرد، ودفع المملكة إلى تجاوز الحد المعتمد في تصنيفات البنك الدولي.
وأشار إلى أن الأجور والدخول لم تشهد زيادات جوهرية، في حين ما يزال التضخم المتراكم يؤثر على القوة الشرائية، ما يعني أن المواطن لن يلمس تحسناً مباشراً في مستوى معيشته نتيجة إعادة التصنيف.
ولفت إلى أن أي انخفاض في عدد السكان، بما في ذلك عودة أعداد من اللاجئين السوريين إلى بلادهم، قد ينعكس بصورة محدودة على متوسط دخل الفرد، إلا أن الأثر الأبرز للتصنيف يتمثل في تحسين صورة الاقتصاد الأردني أمام المؤسسات الدولية، وتعزيز موقع المملكة في تعاملها مع القروض والمنح والجهات التمويلية، أكثر من انعكاسه المباشر على الواقع المعيشي للمواطنين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك