عند الربع الأخير من القرن الـ19 والعقدين الأولين من القرن الذي يليه، كان الموسيقي الفرنسي جول ماسينيه يعد واحداً من أكبر الأسماء في عالم التلحين الأوبرالي في الحياة الفنية الفرنسية بل ربما يجوز القول إنه كان سيد" الأوبرا كوميك" من منازع، وعلى الأقل حتى انتزعه كلود ديبوسي عن عرشه مستعيراً من الانطباعية الفرنسية نكهة جعلت من أوبراه الكبيرة" بيلياس وميليزاند" حجر الرحى في نهضة هذا الفن، فكشفت كم أن ماسينيه يلجأ إلى السهولة في فرض فنه على الجمهور العريض، أو هذا على الأقل ما حكم به النقاد عند لحظة المنعطف بين ذينك القرنين المتتابعين اللذين كانا يشهدان تباعاً تغيرات فنية هائلة في ذائقة الجمهور.
والحقيقة أن النقاد، وفي لحظة ما، عبروا عن سأمهم من ماسينيه الذي كانوا قد وجدوه مغالياً في مداعبة ذوق الجمهور واختياراته، ويكتشفون في المقابل، كم أن ديبوسي يحاول أن يفاجئ الجمهور ويجبره على تجرع الجديد.
لقد بدا وكأن ماسينيه متهم بإبقاء الجمهور على كسله، بينما ديبوسي يأخذ بيد هذا الجمهور نحو آفاق تتوخى الصعوبة.
من هنا، منذ رحيل ماسينيه عام 1912، غاب ذكره لا سيما تحت وطأة الحرب والأحداث الكبيرة.
غاب ذكره وتضاءل تقديم أعماله، لكن سبعينيات القرن الـ20 أعادته إلى الواجهة، فهل كانت محقة في ذلك على رغم كل شيء؟ سنرى! ولكن ليس فقط على ضوء تاريخ هذا الفنان الذي شغل الطبقات البورجوازية بين السميعة الفرنسيين طوال النصف الثاني من القرن الـ19، بل استثار، إيجابياً، هواة التوفيق بين الأدب والموسيقى الغنائية في صفوفهم مستعيناً بكبار المغنين من أي أفق أتوا في زمنه، مشكلاً ما سمي حينها بآخر ملامح أرستقراطية الفن الأوبرالي؟البحث عن أسماء راسخة وهل يمكنه ألا يكون كذلك؟ على أي حال، فنان يضم رصيده الفني الأساس أوبرات تحمل عناوين مثل" السيد"، و" مانون"، و" سندريلا"، و" كليوباترا"، و" فيرتر"، و" تاييس"، وحتى" شيروبيني" الذي كان اسم موسيقي النهضة الإيطالية الكبير لكنه تحول مع ماسينيه إلى أوبرا في حد ذاته هو الآخر؟فما الذي يمكن أن تقوله لنا كل هذه العناوين الذي يكفي كل واحد منها لاجتذاب الجمهور من دون هوادة، لا سيما إلى صالة" الأوبرا كوميك" التي كانت معقل ماسينيه ومعقل البورجوازية الموسيقية الفرنسية في باريس؟ بيد أن الأمور لم تكن على مثل هذه السهولة، يقول المدافعون، منذ النصف الثاني من القرن الـ20، عن ماسينيه وعودته بعد ثلثي قرن مرا على رحيله، فبالنسبة إلى هؤلاء المدافعين عن تلك العودة، تبدو هذه الأخيرة مستحقة بل يبدو بالنسبة إليهم أن تلك الأعمال الأدبية الكبرى التي موسقها ماسينيه أفادت منه ومن فنه، بقدر ما استفاد هو منها" فلا ننسينّ بعد كل شيء أن فن الأوبرا بأسره إنما قام أساساً على مثل ذلك التضافر" كما راحوا يؤكدون.
من هنا لم يكن صدفة أن يقول واحد من أبرزهم إن قيمة جول ماسينيه التاريخية أكبر مما توحي به سمعته الحالية شرط أن نميز بين أمرين: قيمته في زمنه، ومكانته في تاريخ الأوبرا كما نراها اليوم.
نجاح مضمون؟ ! ففي أواخر القرن قبل الفائت، كان ماسينيه يتقاسم مع كاميل سان سانز، مواطنه الفرنسي الكبير الآخر، مهمة كتابة أكبر الأوبرات في الحاضر الباريسي، وكان كل منهما يعتبر أبرز مؤلف أوبرالي في فرنسا، قبل أن يفرض كلود ديبوسي رؤية جديدة مع" بيلياس وميليزاند" كما أشرنا قبل سطور.
وكانت أعمال ماسينيه تحقق نجاحات جماهيرية لا تضاهى ليس لأنها مضمونة النجاح فقط، بل لأنه امتلك موهبة نادرة في مخاطبة الذائقة الفرنسية.
وحسبنا هنا، كما يفسر لنا أصحاب هذا الرأي، أن نتجول بين عدد من أعماله الرئيسة للتأكد من هذا.
فـ" مانون" مثلاً ليست مجرد اقتباس لرواية ناجحة، بل هي إعادة خلق موسيقية لشخصية معقدة حتى أصبحت الأوبرا نفسها أشهر من الرواية لدى معظم الجمهور.
وأوبرا" فيرتر" حولت آلام" فيرتر" إلى دراما غنائية ذات عمق نفسي بديع.
و" سندريلا" تبرز كمثال على قدرة ماسينيه على تحويل الحكاية الخرافية إلى عمل مفعم بالرقة والشفافية.
و" دون كيشوت" لا تعود هنا معالجة ساخرة كما عند ثيربانتس بل مرثية رومانسية لفارس عجوز يعيش خارج زمنه.
أما" السيد" فتعكس شغف الفنان بالبطولة على الطريقة الفرنسية والإسبانية مع موسيقى احتفاليه واستعراضات راقصة أصبحت من أشهر صفحات الريبرتوار.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)مع ذلك يبقى أمامنا سؤال إشكالي: هل كان ماسينيه يختار حقاً وعن تعمد موضوعات يفترض سلفاً نجاحها الشعبي؟ الجواب: نعم إلى حد كبير.
فهذا الفنان كان يتمتع بحسّ مسرحي وتجاري ممتاز ما يمكنه من أن ينتقي موضوعات معروفة: حكايات خرافية أو كلاسيكيات أدبية وشخصيات تاريخية.
فهل يتعين علينا اعتبار ذلك خاصاً به؟ ذلكم هو جوهر الموضوع.
كلهم فعلوا ذلك لكن الجواب عليه من أسهل الأمور، وبصورة تصبّ في مصلحة ماسينيه وذلك بالتحديد لأننا نعرف أن معظم مؤلفي" الأبوبا" قد فعلوا ذلك نفسه.
فجوزيبي فيردي استند إلى ويليام شكسبير وفكتور هوغو، وبوتشيني إلى روايات ومسرحيات ناجحة متعددة المؤلفين، وريتشارد شتراوس لجأ إلى نصوص أوسكار وايلد وهوغو فون هوفمانستال، على سبيل المثال لا الحصر.
بيد أن الفارق يكمن في أن ماسينيه لم يكن ثورياً مثل ريتشارد فاغنر، ولا مجدداً جذرياً على نمط كلود ديبوسي.
قوة ماسينيه كانت تكمن في اللون واللحن، في علم النفس، وما يسمى الأناقة الفرنسية.
كان يعرف كيف يكتب لمن يغني وكيف يكتب مشاهد مؤثرة من دون أن يرهق المستمع بالتعقيد النفسي أو التركيب الهارموني الغريب.
ولعل ذلكم هو السبب في أن سمعته تراجعت في القرن الـ20، إذ فضل النقاد المحدثون كما يبدو مساندة المجددين والتركيبين بينما بدا ماسينيه لهم محافظاً ورومانسياً أكثر مما ينبغي.
ولكن منذ سبعينيات القرن المنصرم، عاد الاهتمام به يتجدد وأصبحت أوبرات مثل" مانون" و" فيرتر" و" دون كيشوت" و" سندريلا" تقدم بانتظام على خشبات المسارح الكبرى.
ومع ذلك، لا يمكن أن نكرر أن نجاحه كان قائماً على اختياره موضوعات مضمونة النجاح فقط، بل على امتلاكه، بحسب ما يقول كثر من النقاد الفرنسيين اليوم، موهبة حقيقية في تحويل المادة الأدبية المعروفة إلى مسرح فرنسي غنائي خالص.
وربما يمكننا أن نختم هذا بقولنا إن ماسينيه كان في الأحوال كافة، آخر سيد كبير من سادة الأوبرا الفرنسية الرومانسية، قبل ان يأتي ديبوسي لينسف اللعبة من أساسها مع مطلع القرن الـ20.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك