حاول المواطن الروسي فياتشيسلاف سيدورينكو يوم الجمعة الماضي الحصول على مادة البنزين لتزويد سيارته، وقف في طابور طويل أمام محطة الوقود في مدينة إيليستا، عاصمة جمهورية كالميكيا في جنوب روسيا، إلا أن الوقود نفد من المحطة قبل وصول دوره.
يروي فياتشيسلاف لـ" العربي الجديد" أنه استيقظ قرابة الساعة الثالثة والنصف من صباح السبت، وتوجه إلى المحطة من جديد، كان البنزين متوافراً، ولكن بكمية لا تزيد على 20 لتراً للسيارة الواحدة، ويجب أن تضخ مباشرة في الخزان، دون السماح بأي عبوة إضافية خارجية.
الحال ذاته تكرر في سانت بطرسبرغ، حيث قالت آنا، وهي مواطنة روسية، لـ" العربي الجديد"، إن الازدحام أصبح جزءا من مشهد محطات الوقود في المدينة.
الكمية المسموح بها في المرة الواحدة تراوح بين 20 و30 لتراً، حسب المحطة، ويجب ضخ الوقود مباشرة في خزان السيارة، إذ يمنع تعبئة أي عبوة خارجية خوفاً من نشوء سوق سوداء في هذه الظروف.
وتضيف أن الإرهاق الحقيقي هو في التنقل بين أكثر من محطة للعثور على الوقود، خاصة في هذا الوقت من العام، حيث يتجه معظم الروس إلى بيوتهم الريفية لقضاء الإجازة الصيفية.
وتشرح: " بشكل عام، لم تشهد الأسعار ارتفاعاً كبيراً داخل المدينة، المشكلة الأساسية هي في توافر المادة".
في الطريق نحو الضواحي، مساء كل جمعة، غالباً ما تخلو المحطات من البنزين بسبب شدة الإقبال استعداداً لعطلة نهاية الأسبوع.
أما في اتجاه العودة نحو المدينة، فيكون متوفراً بشكل أفضل.
فقد امتدت أزمة شح الوقود في روسيا إلى أكثر من 40 منطقة، وسط إجراءات تقنين واللجوء إلى احتياطيات استراتيجية، في أعقاب هجمات أوكرانية مكثفة تستهدف مصافي التكرير ومستودعات التخزين.
وبينما أقر الكرملين بتعقيدات لوجستية وأقر قانوناً عاجلاً لدعم القطاع، تواصل كييف تنفيذ ما تسميه" عقوبات بعيدة المدى" بهدف تقليص قدرة موسكو على تمويل الحرب.
وتشهد المنشآت النفطية الروسية ضربات أوكرانية تكثفت منذ النصف الثاني من العام 2025، وسط تداعيات بدأت تتصاعد في قطاعات النقل والزراعة والتجارة.
وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن قواتها استهدفت، بين يناير/ كانون الثاني ويونيو/ حزيران، 16 مصفاة نفط روسية كبرى ومحطات وقود، ما أسفر عن تعطيل ما يزيد على 30% من طاقة التكرير الروسية.
وأمس الاثنين، قالت السلطات الروسية إن هجمات من 56 طائرة أوكرانية بدون طيار ألحقت أضراراً بميناءي فيسوتسك وأوست لوغا على بحر البلطيق، وهما منفذان رئيسيان لتصدير النفط، وتسببت في انقطاع التيار الكهربائي في مدينة سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، التي يتخذها أسطول البحر الأسود الروسي مقراً له.
ومنذ مطلع يونيو/ حزيران، فرضت السلطات الروسية قيوداً على بيع الوقود في أكثر من 40 منطقة، حيث يتم وضع سقف للكميات المتاحة للمواطنين بينما يتم توجيه الوقود إلى القطاعات الحيوية.
ففي إقليم زابايكالسكي، لا يحصل سائق المركبة الواحدة على أكثر من 15 لتراً من البنزين، وفي أومسك حددت الكمية بـ40 لتراً للبنزين و80 لتراً للديزل، بينما تصل القيود في كالينينغراد إلى 30 لتراً للبنزين و60 لتراً للديزل.
ووفقاً لوكالة الأناضول، امتدت إجراءات التقنين إلى العاصمة موسكو، حيث أعلنت شركتا" غازبروم" و" لوك أويل" تحديد سقف مؤقت للشراء عند 30 لتراً لكل مركبة.
وفي شبه جزيرة القرم، أعلنت السلطات المحلية، في وقت لاحق، حالة الطوارئ وعلقت بيع الوقود للأفراد والشركات التجارية، مبقية على الإمدادات للجهات الحكومية والخدمات الحيوية فقط.
أما المشهد الأكثر دلالة على حجم التحدي، فيلاحَظ في مدينة نوفوروسيسك، حيث يقع أكبر ميناء تصدير نفطي روسي على البحر الأسود؛ فقد أصدرت إدارة المدينة بياناً رسمياً، نقلته وكالة" بلومبيرغ"، يوم الجمعة الماضي، جاء فيه: " حالياً، لا يباع البنزين في محطات الوقود، وتتوفر كميات محدودة من الديزل في ثماني محطات".
وفي إقليم كراسنودار المجاور، دعا الحاكم فينيامين كوندراتيف السكان إلى النظر في استخدام السيارات العاملة بغاز الميثان، واصفاً إياها مع المركبات الكهربائية بأنها" بديل جدير".
ويوضح الباحث في الشأن الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية ديمتري بريجع، لـ" العربي الجديد"، أن المشكلة لا تكمن في نقص النفط الخام، بل في تعطل أجزاء من سلسلة التكرير والتوزيع.
ويقول بريجع إن" روسيا دولة نفطية كبرى، لكنها لا تستهلك النفط الخام مباشرة، بل تحتاج إلى منظومة تكرير ونقل وتقسيم وتوزيع تعمل بلا انقطاع.
لكن جزءا من هذه السلسلة تعرض لضغط شديد".
وأضاف أن" النفط الخام موجود، لكن التحدي يظهر في القدرة على تحويله بسرعة وكفاءة إلى وقود جاهز للاستهلاك".
واعتبر الخبير أن إجراءات مثل السماح بتداول بنزين" يورو 3" الأقل جودة، أو قانون خلط المواد الأولية الذي أقر أخيراً، تمثل" أدوات طارئة توجه رسالة مضمونها أن الأولوية الآن هي لتأمين الوقود ومنع الشلل، وليس للالتزام بالمعايير البيئية أو الجودة الأعلى".
أما التوجه إلى الاستيراد فهو" مؤشر إلى أن الضغط وصل إلى مستوى يدفع الدولة إلى البحث عن سد فجوات محلية سريعة، بدلاً من انتظار إصلاح المصافي وعودة التوازن إلى السوق الداخلية".
وفق بريجع فإن توقيت تصاعد الأزمة حساس للغاية، إذ يتزامن مع موسم الحصاد وحركة النقل النشطة بين المدن، ويقول إن" الديزل تحديداً هو وقود الزراعة والشاحنات والمعدات الثقيلة وعمليات التخزين والنقل البري.
أي تقنين أو نقص فيه لا يبقى داخل محطات الوقود، بل ينتقل مباشرة إلى كلفة نقل الحبوب والخضار والمواد الغذائية، ومن ثم إلى أسعار الجملة والتجزئة".
ويعدد الخبير ثلاث قنوات ينتقل عبرها التأثير على المدى القصير: الأولى، ارتفاع كلفة النقل مع اضطرار شركات الشحن لدفع مزيد من الأموال للحصول على الوقود والعمل بطاقات تشغيلية أقل.
الثانية، تأخر الإنجاز، خصوصاً في المناطق النائية التي تعتمد على النقل البري لمسافات طويلة.
والثالثة، سلوك التخزين القائم على القلق، فحين يشعر المواطنون أو الشركات بأن الوقود قد ينقطع، تبدأ موجة شراء مفرطة تضاعف حجم الأزمة حتى لو كان النقص الفعلي محدوداً.
ويضيف: " هنا يصبح التضخم هو الخطر الأوضح، لأن الوقود لا يقتصر تأثيره على النقل، بل يمتد إلى كامل الدورة الزراعية.
وإذا استمرت القيود عدة أسابيع، فسنشهد ضغطاً إضافياً على أسعار الغذاء".
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان واضحاً في تحديد الغاية من العمليات ضد المنشآت الروسية وقال، في تصريحات سابقة، إن أوكرانيا" ستواصل الرد بطريقة عادلة تماماً" على الهجمات الروسية، وتسعى إلى" إضعاف نظام الدولة" الروسية وقدرتها على استدامة الحرب.
وفي شهر مايو/ أيار وحده من العام الجاري، طاولت الضربات ثماني مصافٍ، شملت منشأة كيريشينفتيورغسينتيز، ثاني أكبر مصفاة روسية، ومصفاة ريازان التي تمثل ما يقرب من 5% من طاقة التكرير الروسية، ومصفاة لوك أويل في نيجني نوفغورود، وهي رابع أكبر مصفاة في البلاد وثاني أكبر منتج للبنزين.
وفي يونيو/ حزيران، توسعت الحملة لتشمل مصفاة غازبروم نفط في موسكو ومحطة تامانفتغاز، وهي واحدة من أكبر مراكز إعادة شحن الطاقة في روسيا على البحر الأسود، وذلك وفقاً لما ذكرته وكالة" الأناضول".
وكان نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك قد عزا، في تصريحات سابقة، الاضطرابات في إمدادات الوقود إلى" تغيرات في المسارات اللوجستية"، لا إلى نقص في الإنتاج، وأكد أن السلطات اتخذت عدة إجراءات إضافية تشمل حظر تصدير البنزين حتى 31 يوليو/ تموز، كما أدخلت تعديلات على تداولات البورصة لكبح الأسعار وإعادة توزيع الكميات، ووفرت حوافز ضريبية لاستيراد الوقود ولزيادة إنتاجه في روسيا.
وخلال اجتماع حكومي عقده الأسبوع الماضي خصص لبحث إمدادات الوقود، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن كميات من الوقود المخزن سابقاً تم ضخها إلى السوق المحلية، وأن الاحتياطي يبلغ 1.
7 مليون طن، وهو" عند مستوى الفترة ذاتها من العام الماضي تقريباً".
ونقلت وكالة الأنباء الروسية ريا نوفوستي عن الرئيس قوله إن" أكبر المصافي تعمل بكامل طاقتها، وينبغي أن يتجاوز الإنتاج في يوليو/ تموز أرقام يونيو/ حزيران".
كما أعلن الرئيس أن الحكومة أنشأت مقراً خاصاً يعمل على مدار الساعة.
وفي الوقت نفسه، طالب بتقليل آثار هجمات المسلحين الأوكرانيين على مرافق البنية التحتية للوقود إلى أدنى حد.
في سياق متصل، وصفت رئيسة البنك المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا الصعوبات التي يشهدها سوق الوقود بأنها" مؤقتة"، وقالت، خلال إحاطة صحافية في المؤتمر المالي للبنك المركزي، إن" البنك المركزي ينطلق من أن الصعوبات التي نشأت في سوق الوقود الروسية ذات طابع مؤقت، وسيقيم تأثير هذا العامل على التضخم بشكل إضافي بحلول موعد اجتماع مجلس الإدارة المقبل المقرر في 24 يوليو بشأن سعر الفائدة".
وأضافت نابيولينا، وفق ما نقلته وكالة ريا نوفوستي، يوم الخميس الماضي: " يبدو أن الحكومة تتخذ كل الإجراءات لتحقيق الاستقرار.
أما بالنسبة لنا، فمن المهم أن نأخذ في الاعتبار في سياستنا النقدية ما يحدث في هذا السوق".
وأوضحت أن" الصدمات في الإمدادات" قد تكون ذات تأثير لمرة واحدة، لكنها شددت على أهمية" ألا تكون هناك تأثيرات ثانوية تطاول المؤشرات المستدامة للتضخم، وبشكل أساسي عبر توقعات التضخم"، وأشارت إلى أن استطلاعات يونيو/ حزيران لم تظهر بعد أي تأثير لهذا العامل على توقعات التضخم، متعهدة بمتابعة الموقف عن كثب قبيل اجتماع يوليو/ تموز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك