ما إن تستدير الشمس نحو الأرض بوجهها الصريح، حتى نوارب عيوننا من فرط الوهج.
إنه الصيف؛ الانقلاب الذي حوّله الأدب من حركة فلكية، إلى حالة شعورية تتأرجح بين الموت والحياة، فتارة يلتقط عنفوانه في نضج الزرع وتفجر الشباب، وتارةً أخرى يقتنص فورة الدم في العروق وبطشتها القاتلة، وما بين الحالتَين تتراكم صوره البليدة التي تتراوح بين الخمول وفرط الملل.
تتفتح صور الحياة في الصيف على نحو بانورامي؛ فهو فصل العطلات الدراسية الذي يحوّل الشوارع والمصايف إلى كرنفال مفتوح، لتبدو الحياة في أزقته وكأنها هي نفسها من يلهو ويمرح.
في روايتها" صيف مع العدو"، تعيدنا الكاتبة السورية شهلا العجيلي إلى تلك الفترة البهيجة في مدينة الرقة السورية، واصفةً لحظة التحرر بعيني طفلة: " ننتشر في الحارة، ما أن تبدأ العطلة الصيفية، مثل عصافير فرّت من قفص"، ولم يكن لأحد قدرة على لجم ذلك التدفق المرح؛ لا صراخ الجيران المتبرمين من جلبة اللعب حول سياراتهم وتحت شبابيكهم، ولا زجرهم المستمر كي لا تدوس أحذيتهم الموحلة أرصفتهم المشطوفة، أو رصيفاً حديثاً أصلح صاحبه اعوجاجه بصبّ إسمنت جديد لم يجفّ بعد.
كان الصغار، في غمرة الفرح، يتلقون ذلك الصراخ والوعيد كأنه مجرد تحذير ودي، فيستجيبون له بتهدئة حركتهم أو خفض أصواتهم لبرهة خاطفة، وسرعان ما يتناسون أو ينسون، فيعودون إلى صخبهم المتفجر بالحياة.
تستغرق العجيلي في استرداد طفولتها اللاهية، لتعيد تشكيل جغرافيا المكان بعد أن غيرت الحرب معالمها: جرينا في الطرقات، ركبنا دراجاتنا الهوائية وتفنّنا بالتشكيلات: اثنان منّا في المقدّمة، ثلاثة في الوسط، واثنان في المؤخّرة، ثم نتبادل المواقع.
"؛ ليتحول صيف الطفولة إلى نسخة محفوظة من الوطن، قبل أن تتشتت تلك العصافير في منافي الدنيا.
الانقلاب الذي حوّله الأدب من حركة فلكية، إلى حالة شعوريةفيما يختزل الروائي المصري إبراهيم أصلان أثر الانقلاب الصيفي في" عصافير النيل" بعبارة شديدة التكثيف: " الدنيا صيف، والبلح الأحمر طلع"؛ فإذا به يتفجر كبشارة نضج وعنفوان تزامناً مع قدوم خاله الشاب عبد الرحيم إلى القاهرة وقلبه متوقد للمغامرة.
تبدأ برغبة في الصيد مثل كل أهالي إمبابة من النهر، وبدلاً من أن يعود من مغامرته الأولى ظافراً، تعلق عصفورة في طرف الصنارة فيهرول في كل اتجاه ويندفع الأولاد وراءه: " العصفورة المشبوكة تأخذ طرف الخيط وتحلق به أعلى من الجميع، حتى صارت زفة كبيرة اتجهت ناحية الكوبري الكبير.
"هكذا نتعرف على بطل أصلان الوافد من الريف من خلال فعل صيد ناقص؛ فبدلاً من اصطياد سمكة، يصطاد عصفورة، وعوضاً عن السيطرة على الصيد، تسيطر الفريسة على الصياد، مما يفضي إلى لحظة مدهشة تحول الخيبة إلى مادة للهو، في أول صيف له على ضفاف النيل.
إذا كان الصيف في المدن يفجر الحواس لتصبح أكثر مرحاً ويقظة، فإنه يخدرها تدريجياً في الأرياف حتى يسحبها تحت تأثير التنويم المغناطيسي إلى أرض الأسطورة.
تفتتح الكاتبة المصرية عزة رشاد روايتها" شجرة اللبخ" بظهيرة يوم حار، تسلّط فيه شمس" بؤونة" أشعتها العمودية الملتهبة لتشق بطن الأرض، وتَحني ظهر النهر الذي أوشك على الجفاف.
في هذا الطقس الجهنمي تستسلم الأشجار لمصيرها، ويتفصّد العرق فوق جباه أبناء" درب السوالمة" ومنهم الولد عثمان ابن الاثني عشر ربيعاً الذي راح يمسح عرقه بظهر كفّه، بينما يلحق بالنعش المار مع نفر من المشيّعين محدّقاً في الكتلة البشرية المتحركة بأبخرة العرق المختلط بروائح روث الدواب التي تثير الغثيان.
وفجأة يتسلل إلى أذنه صوت الشيخ دياب إمام المسجد: " إنما الكرامة في الاستقامة".
عملاق خفي يجلد رؤوس الأبطال بسياط من نار وقار مغليبفعل المؤثرين معاً، تتجسد الكرمات كما السراب في الصحراء، فيُهيأ للصبي أن النعش يسبق المشيّعين، يركض خلفه في جلبابه المشلوح بعد أن رأى ما جرى مردداً: " النعش طار".
عبارة تتردد بسرعة فوق ألسنة النسوة في شوارع وأفنية وحواري القرية، لتنزلق من بعدها الحكايات من بين رذاذ الشهنفة وخيوط المخاط عن نعوش الأسلاف التي طارت، مثل نعش الشيخ عامر.
يذكرنا تأثير شمس بؤونة التي صهرت وعي أهل القرية وجعلتهم يتقبلون اللامعقول ويعيدون فيه ويزيدون عند عزة رشاد، بصدى القيظ عند غابرييل غارسيا ماركيز في" مئة عام من العزلة"؛ إذ يضرب بلدة ماكوندو صيف طويل يمتد لسنوات، جالباً معه ركوداً قاتلاً ووباءً من النسيان، لتتحول الأجواء اللاهبة إلى تآكل تدريجي، وخروج القرية عن مدارها حول الأرض، بحيث تختفي الشهور وتتلاشى الأيام.
براءة الشمس من دم ابن يعقوبتعكس وفرة من الأعمال مدى سطوة الشمس على العقل والحواس؛ ففي رواية" الغريب" لألبير كامو، يقف البطل ميرسو أمام المحكمة ليبرر جريمة قتله للرجل العربي على شاطئ الجزائر بكلمة واحدة: " الشمس".
لقد أعمى وهجها عينيه وأطاحت حرارتها الحارقة عقلَه وهو ما أفضى إلى نوع من القتل العبثي لشخص لا يحمل نحوه أي ضغينة.
مع هذا لم يكتف الأدب باعتبارها مجرد باعث على الجريمة، بل منحها دور القاتل المفترس الذي يذيب الأجساد ويعقد الألسنة حتى في لحظة خروج الروح.
من هنا يبدأ غسان كنفاني برسم كابوسه المرعب في روايته" رجال في الشمس"؛ بحيث يرتفع القيظ وتصب الشمس لهباً فوق الرؤوس"، لتلتهم رمالها قدرة الساقين على المضي قدماً، وتتحول الكوفية إلى قطعة قماش آخذة هي الأخرى في الاحتراق، بينما يستحيل الأفق إلى" مجموعة من الخطوط المستقيمة البرتقالية" تحجب الرؤية.
مع تقدم الرحلة، تستحيل الشمس في وسط السماء إلى" قبة عريضة من لهب أبيض" يذهب بالأبصار، ويتحول الخلاء الصحراوي الشاسع إلى" عملاق خفي يجلد رؤوس الأبطال بسياط من نار وقار مغلي".
في تلك اللحظة، يدرك الرجال أنهم لا يسيرون نحو حلمهم، وإنما ينقادون نحو حتفهم وهم يهمسون همستهم الأخيرة: " هذه جهنم التي سمعنا عنها".
يبلغ الكابوس ذروته داخل" الخزان الحديدي" للشاحنة، حين يتّحد لهيب أغسطس/ آب مع صفيح الصهريج المغلق لتصبح النتيجة فرناً حرارياً ينتزع الروح بعد أن احترقت من الجسد.
ليبقى سؤال أبو الخيزران معلقاً على جثث ثلاثة رجال، يمثلون ثلاثة أجيال مختلفة، ويتردد صداه حتى يومنا هذا على لسان كل قارئ: " لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا الجدران؟ لماذا؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك