لماذا أصرّ الإنسان، في كل مكان تقريباً، على تخيّل كائنات لا تنتمي إلى الطبيعة؟ سؤال يطرحه معرض" كائنات من الأسطورة والخيال: أوروبا والأميركيتان"، الذي افتتح في متحف متروبوليتان للفنون بنيويورك في 18 مايو/ أيار الماضي ويتواصل حتى 18 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، ويضم أعمالاً فنية وقطعاً أثرية تعود إلى ما بين عامي 500 و1500 ميلادياً.
هذا الاتساع للرقعة الجغرافية التي تغطيها الأعمال، وانتماؤها إلى حضارات وثقافات متباعدة ظلت مقطوعة الصلة قروناً طويلة، يشير إلى أن الخيال البشري يحمل سمات مشتركة تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن.
منذ بدايات التدوين البشري ظهرت كائنات تجمع بين الإنسان والحيوان، وأحياناً النبات.
كان هذا التهجين تعبيراً عن حاجة عميقة إلى فهم العالم، أو بالأحرى إلى سدّ فجواته، فالكائن الهجين يجمع بين قوة الحيوان ووعي الإنسان وغموض الطبيعة.
في المعرض، تتجاور مثلاً صور لتنانين من أوروبا مع تمائم ذهبية من كولومبيا، وأشكال طوطمية من حضارات أميركا الوسطى.
هذا التجاور يؤكد أن الإنسان في أماكن متباعدة، ومن دون تواصل مباشر، أنتج صوراً متقاربة لكائنات تتجاوز الواقع، فالنزعة الخيالية إذاً لا تخص ثقافة أو حضارة بعينها، بل هي سمة إنسانية عامة.
أعمال فنية وقطع أثرية تعود إلى ما بين عامي 500 و1500 ميلادياًالوظيفة التي أدتها هذه الكائنات الخرافية هي أحد المفاتيح التي يمكن عن طريقها قراءة المعرض.
ففي أوروبا العصور الوسطى مثلاً، كانت التنانين والوحوش جزءاً من خطاب ديني وأخلاقي، تظهر في الجداريات والمخطوطات لتجسيد الشر أو الفتنة، أو تحذيراً بصرياً يدعو المتلقي إلى التمسك بالإيمان وتجنّب الإغواء؛ كما في صور التنانين التي تَرِد في حكايات القديسين، حيث يرمز القضاء عليها إلى انتصار الإيمان على الشر.
أما في الأميركيتين، فالكائنات الهجينة ارتبطت بالسلطة والطقوس، كما في الحليّ الذهبية التي تمثل شخصيات مركبة بملامح حيوانية وتيجان ضخمة، وتعبّر عن مكانة حاملها وقوته.
هذا الاختلاف في وظيفة الكائنات الخرافية يؤكد التشابه ولا يلغيه، ففي الحالتين، توظف هذه الكائنات في سياق رمزي، كأدوات لفهم العالم، سواء عبر الدين أو السلطة أو الأسطورة.
ويمكن اعتبارها أيضاً، في كل الأحوال، وسيطاً بين ما هو مرئي وما هو غير مرئي.
اللافت في المعرض أنه يجمع تقاليد فنية تطورت بشكل مستقل تماماً عن بعضها، ثم يضعها في مواجهة مباشرة.
ولعل وقوف الفترة الزمنية التي يغطيها العرض عند أعتاب اللقاء بين ضفتَي الأطلسي يؤكد الفكرة المحورية للعرض.
فالتأثير هنا يكاد يكون معدوماً، بين ثقافات لم تلتق بعد، ومع ذلك أنتجت صوراً متشابهة لكائنات متخيّلة.
هذه الفكرة تمنح المعرض بعداً فلسفياً يتجاوز العرض التقليدي، فبدلاً من الحديث عن التأثير والتأثر، يطرح تساؤلات حول بنية الخيال الإنساني، كلغة بصرية عالمية لفهم المجهول.
يمكن قراءة المعرض بوصفه محاولة لتجاوز مركزية السرد الأوروبي، فوجود فنون الأميركيتين القديمة في فضاء مشترك مع فنون العصور الوسطى الأوروبية هو أشبه بإعادة ترتيب للهرم الثقافي.
هذا التحوّل يعيد صياغة طريقة عرض التاريخ الفني، من سرد خطّي أحادي إلى شبكة متعددة الأصوات، وهو ما ينسجم مع تحولات أوسع في المتاحف العالمية، التي تحاول إعادة النظر في علاقاتها بالتراث غير الأوروبي.
علينا هنا أن نلتفت أيضاً إلى أن إنتاج البشر لهذه الكائنات الخرافية لم يتوقف يوماً، فهو جزء من خيال مستمر حتى اليوم.
فالصور التي ظهرت في المخطوطات والتمائم وعلى جدران الكنائس والأديرة، لا تبدو بعيدة عن خيالنا المعاصر، إذ لا تزال حاضرة في السينما والأدب الشعبي والألعاب الرقمية.
فإن كان المعرض يتحدث عن الماضي، فإنه يفتح باباً للتفكير في استمرارية هذا الخيال وقدرته على إعادة إنتاج نفسه عبر الأزمنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك