صنعاء- صعّد الحوثيون من تهديداتهم تجاه السعودية بإدخال مضيق باب المندب في دائرة المواجهة، ملوحين باتخاذ إجراءات تستهدف حركة السفن السعودية التي تعبر البحر الأحمر، في خطوة تنقل التصعيد من نطاق المواجهة العسكرية المباشرة إلى أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وتثير مخاوف من استخدام أمن الملاحة الدولية كورقة ضغط سياسية وعسكرية.
وربطت الجماعة استمرار عبور السفن السعودية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب بما تصفه بإنهاء" الحصار" المفروض على اليمن، مهددة باتخاذ خطوات تصعيدية إذا لم تستجب الرياض وواشنطن لمطالبها.
ويعكس هذا التهديد محاولة حوثية لتحويل الموقع الجغرافي لليمن إلى أداة تفاوض، عبر الضغط على المصالح الاقتصادية والأمنية المرتبطة بأحد أهم الشرايين البحرية العالمية.
ويحظى مضيق باب المندب بأهمية استراتيجية استثنائية، باعتباره نقطة عبور رئيسية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمر عبره جزء كبير من حركة التجارة الدولية وشحنات الطاقة.
ولذلك فإن أي تهديد لأمنه لا يقتصر تأثيره على أطراف الصراع اليمني، بل يمتد إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
ويأتي التصعيد الحوثي في ظل استمرار التوتر حول حركة الملاحة في البحر الأحمر، بعدما فرضت الجماعة خلال الفترة الماضية قيودا على بعض السفن المرتبطة بالمناطق الخاضعة لسيطرتها، في وقت تطالب فيه الأمم المتحدة والسعودية بإنهاء أي إجراءات تعيق حرية الملاحة.
ووفقا لتقارير إعلامية، تبحث الجماعة خيارات تتعلق بتقييد حركة السفن السعودية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر في المنطقة.
ويرى مراقبون أن لجوء الحوثيين إلى التهديد باستهداف الملاحة يعكس رغبة في توسيع أدوات الضغط التي يمتلكونها، بعد أن اعتمدوا خلال السنوات الماضية على الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة ضد أهداف داخل السعودية.
فالجماعة تحاول اليوم نقل المعركة إلى مجال أكثر تأثيرا، عبر استخدام ورقة الممرات البحرية التي تمثل مصلحة دولية وليس فقط قضية ثنائية بين صنعاء والرياض.
ويتزامن هذا التصعيد مع تطورات أخرى مرتبطة بالمنافذ التي يسيطر عليها الحوثيون، خصوصا بعد إعلان الجماعة نجاح طائرة مدنية إيرانية في الهبوط بمطار صنعاء، مؤكدة استمرار الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران.
وتقدم الجماعة هذه الخطوات باعتبارها دليلا على قدرتها على فرض واقع جديد في المجالين الجوي والبحري، بما يعزز موقفها في أي مفاوضات سياسية مقبلة.
ويعتقد محللون أن الربط بين ملفي الملاحة البحرية والطيران المدني يعكس استراتيجية حوثية تقوم على توظيف أدوات متعددة للضغط، من خلال إظهار أن الجماعة قادرة على التأثير في حركة الأشخاص والبضائع والطاقة عبر المنافذ التي تسيطر عليها.
كما تسعى إلى استخدام هذه الأوراق لتعزيز حضورها كلاعب إقليمي يصعب تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية بشأن اليمن.
وفي المقابل، تواجه هذه التهديدات برفض سعودي ودولي، إذ تؤكد الرياض أن أمنها وأمن الملاحة في البحر الأحمر يمثلان خطوطا حمراء، وأن أي محاولة لاستهداف السفن أو تعطيل حركة التجارة ستقابل بإجراءات حازمة.
كما حذر التحالف العربي بقيادة السعودية من تداعيات أي تصعيد يمس أمن المملكة أو سلامة الممرات البحرية.
وتدرك الدول المطلة على البحر الأحمر أن أي اضطراب في باب المندب ستكون له تداعيات واسعة.
فمصر، على سبيل المثال، تعتمد بشكل كبير على استقرار حركة الملاحة المرتبطة بقناة السويس، بينما تعتمد دول الخليج على سلامة خطوط تصدير الطاقة والأسواق العالمية.
ولذلك فإن تهديد أمن المضيق يثير قلقا إقليميا متزايدا من احتمال تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
كما أن المجتمع الدولي ينظر بحساسية إلى أي تهديد يطال باب المندب، بسبب تأثيره المباشر على حركة السفن التجارية.
فقد يؤدي تصاعد المخاطر الأمنية إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري، ودفع بعض الشركات إلى تغيير مساراتها، ما يزيد من أعباء النقل ويؤثر على أسعار السلع والطاقة عالميا.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متزايدة، ما يجعل أي خطوة حوثية تستهدف الملاحة قابلة للتطور إلى أزمة أوسع.
فإغلاق المضيق أو تقييد حركة السفن، حتى بشكل جزئي، قد يستدعي تدخلا دوليا لحماية حرية الملاحة، ويزيد من احتمالات المواجهة بين الحوثيين والقوى الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، تراهن الجماعة على أن التهديد باستخدام ورقة باب المندب يمنحها نفوذا أكبر في أي ترتيبات سياسية، باعتبار أن السيطرة على موقع جغرافي بهذا الحجم تمنحها قدرة على التأثير تتجاوز حدود الساحة اليمنية.
غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، إذ إن تحويل الممرات البحرية الدولية إلى أدوات صراع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويضع الجماعة أمام ضغوط دولية متزايدة.
ويمثل تهديد الحوثيين بإغلاق باب المندب أمام السفن السعودية تطورا جديدا في مسار الصراع، حيث تنتقل الجماعة من استهداف الأهداف العسكرية إلى التلويح بالتحكم في أحد أهم طرق التجارة العالمية.
وبينما تسعى إلى استخدام المضيق كورقة تفاوض وضغط، فإنها تخاطر بفتح جبهة أوسع قد تتجاوز حساباتها المحلية لتطال الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للمنطقة والعالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك