تسارع الدول الأوروبية إلى إيجاد حلول بديلة وتعويضات للقدرات العسكرية التي أبلغت الولايات المتحدة حلفاءها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مؤخراً بأنه لم يعد بإمكانهم الاعتماد عليها خلال الأزمات، بما في ذلك القاذفات الاستراتيجية والسفن الحربية وغيرها من القوات.
إلا أن سد جميع الثغرات التي خلّفها التراجع الأميركي، بما يشمل طائرات التزويد بالوقود جواً التي تعاني أصلاً من نقص، والقاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى التي لا تمتلكها سوى الولايات المتحدة، يثبت أنه مهمة صعبة أمام الحلف العسكري، ما قد يترك أعضاءه الأوروبيين أكثر عرضة للتهديدات الروسية المتزايدة، حسبما جاء في تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.
ومن المقرر أن يبحث القادة الأوروبيون هذه القضية خلال القمة السنوية لحلف شمال الأطلسي المقررة هذا الأسبوع في أنقرة بتركيا، حيث سيحاول قادة الدول الحليفة الحفاظ على مظهر من الوحدة رغم الخلافات بشأن الحرب الأميركية مع إيران وإصرار وزارة الدفاع الأميركية على تحويل الموارد العسكرية نحو منطقة المحيط الهادئ.
وقال الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في مقابلة مع صحيفة «وول ستريت جورنال»: «الأوروبيون يعوضون بالفعل ما لم يعد بإمكان الولايات المتحدة التعهد به».
وأقر روته بأن «هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به في بعض الحالات» لاستبدال القدرات الأميركية، لكنه أضاف أن الحلف سيكون في وضع أفضل إذا اعتمد توقعات واقعية بشأن ما تستطيع الولايات المتحدة المساهمة به بصورة مؤكدة.
ومن بين الحلول المطروحة لتعويض النقص في القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى، نشر المزيد من الصواريخ بعيدة المدى على الأرض وزيادة أعداد الطائرات المقاتلة في الأجواء.
يرى مسؤولون سابقون وخبراء عسكريون في الناتو أن الأوروبيين لا يستطيعون بسهولة أو بسرعة تعويض بعض القدرات العسكرية الأساسية التي خصصتها الولايات المتحدة للدفاع عن الحلف لعقود طويلة، بما في ذلك القاذفات بعيدة المدى وحاملات الطائرات والغواصات.
كما يؤكدون أن التخفيضات التي أقرّتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دخلت حيز التنفيذ فوراً، من دون منح الحلفاء وقتاً كافياً للانتقال التدريجي.
وقال الجنرال المتقاعد كورتيس سكاباروتي، الذي تولى قيادة قوات الناتو خلال الأشهر الأخيرة من إدارة باراك أوباما والولاية الأولى لترمب، إن أي نقل للمسؤوليات العسكرية من الولايات المتحدة إلى الدول الأوروبية يجب أن يتم وفق جدول زمني مدروس وبعد إعداد مسبق أكبر.
وأضاف: «لا أتفق مع حالة عدم اليقين التي أدخلناها إلى تموضع القوات.
وإذا قررنا إجراء تغييرات، فلا يمكن تنفيذها بشكل فوري ومن دون تحضير، لضمان استمرار الردع في مواجهة التهديد الروسي الحقيقي».
ويقول بعض المسؤولين الأميركيين السابقين إن تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة قد يجعل الحلف أكثر اعتماداً على الردع النووي.
ويسمح برنامج «المشاركة النووية» الذي يضم ست دول لبعض الدول الأوروبية، بينها ألمانيا والمملكة المتحدة وتركيا، بتجهيز طائراتها بأسلحة نووية أميركية خلال الحروب، وهو ترتيب أعرب مسؤولون بولنديون عن رغبتهم في الانضمام إليه.
وقالت سيليست والاندر، التي شغلت منصب مساعدة وزير الدفاع الأميركي لشؤون الناتو وروسيا خلال إدارة جو بايدن: «إذا أصبح الناتو أقل قدرة على الاعتماد على قواته التقليدية في الردع، فسيزداد اعتماد الحلف على مصداقية الأسلحة النووية الأميركية».
تنقسم التخفيضات الأميركية، التي فاجأت الأوروبيين وعدداً من المشرعين الأميركيين، إلى شقين رئيسيين: تقليص أعداد الألوية الأميركية المنتشرة بالفعل في أوروبا، وتقليص التعزيزات الجوية والبحرية وغيرها من القوات التي كانت وزارة الدفاع الأميركية قد تعهدت بإرسالها في حال اندلاع أزمة.
وترى إدارة ترمب أن الوقت قد حان لكي تتولى أوروبا مسؤولية الدفاع التقليدي عن القارة، بما يتيح للولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في المحيط الهادئ لردع الصين وزيادة قدرتها على نشر القوات في نصف الكرة الغربي.
وفي الوقت نفسه، تؤكد واشنطن استمرار التزامها بالمظلة النووية التي توفرها لأوروبا باعتبارها خط الدفاع الأخير للناتو في مواجهة روسيا.
لكن هذه الخطوات المفاجئة أثارت قلقاً واسعاً في أوروبا، خاصة مع تكثيف روسيا هجماتها على كييف واستمرارها في تحديث قواتها المسلحة.
وبينما تواجه القوات البرية الروسية صعوبات في أوكرانيا، لا تزال القدرات الجوية والصاروخية والبحرية الروسية إلى حد كبير سليمة.
وقال مسؤولون أميركيون وأوروبيون إن الحرب في أوكرانيا وأهداف روسيا طويلة الأمد الرامية إلى إضعاف الناتو ستكون من أبرز الملفات المطروحة على جدول أعمال قمة الحلف هذا الأسبوع.
ومن المتوقع أن يلتقي ترمب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش القمة، وفق مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية.
ويتهم الأوروبيون روسيا بشن حملة تخريب وحرب غير تقليدية في أنحاء القارة، لا ترقى إلى مستوى المواجهة العسكرية المباشرة، لكنها تعكس، بحسب وصفهم، نوايا موسكو العدائية.
ويرى بعض القادة الأوروبيين أن هذه الهجمات الهجينة قد تمهد لهجوم عسكري تقليدي خلال السنوات المقبلة.
وقال وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، الشهر الماضي: «من الصعب والخطر على أمن الجبهة الأوروبية للناتو سحب القدرات العسكرية بسرعة كبيرة وقبل اتضاح موعد استبدالها».
وأكد الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش أن الحلفاء الأوروبيين نجحوا إلى حد كبير في سد الثغرات الناتجة عن التخفيضات الأميركية، مضيفاً: «في المجالات القليلة التي لم يتمكنوا فيها من توفير بديل مماثل، نبحث عن قدرات بديلة تحقق التأثير نفسه».
وفي إطار الجهود الرامية إلى سد الفجوات، التزمت الدول الأوروبية بتخصيص جميع الطائرات المقاتلة الجديدة للدفاع ضمن الناتو بدلاً من الاحتفاظ بجزء منها للمهام الوطنية.
وتجري حالياً مناقشات بشأن نشر مزيد من الصواريخ الأرضية بعيدة المدى والطائرات المقاتلة لتعويض القاذفات الاستراتيجية، إلا أن مسؤولين غربيين يؤكدون أن تعويض القدرات الأميركية في مجال التزويد بالوقود جواً سيبقى مهمة صعبة تتطلب إنشاء مزيد من القواعد الجوية المجهزة بإمدادات الوقود.
في المقابل، يشكك بعض الخبراء في فعالية هذه البدائل.
وقال ديفيد ديبتولا، العميد في معهد ميتشل للدراسات الجوية والجنرال المتقاعد في سلاح الجو الأميركي: «يمكن للصواريخ الأرضية بعيدة المدى أن تكمل القدرات العسكرية، لكنها لا تستطيع الاقتراب من مدى القاذفات أو تكرار قدرتها على استهداف الأهداف مجدداً بسرعة».
وأضاف: «الطائرات المقاتلة لا تستطيع حمل الحمولة نفسها التي تحملها القاذفات، كما أن مداها أقل، وعندما نتحدث عن دولة بحجم روسيا فإن المدى يصبح عاملاً حاسماً».
ورغم الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الصناعات الدفاعية الأوروبية تواجه اختناقات إنتاجية كبيرة تعرقل تسليم الأسلحة والذخائر المطلوبة بالسرعة اللازمة.
وقالت ألكسندرا دي هوب شيفر، رئيسة «صندوق مارشال الألماني»: «القضية الكبرى التي ينبغي أن يركز عليها الأوروبيون هي وتيرة الإنتاج والقدرة الصناعية على التسليم بسرعة أكبر لمواكبة التحديات الراهنة».
ويأتي تقليص التعزيزات العسكرية في وقت خفضت فيه إدارة ترمب عدد القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا، وهو الوجود الذي شكّل لعقود دليلاً ملموساً على التزام واشنطن تجاه الناتو.
ففي مايو/أيار، ألغت وزارة الدفاع الأميركية نشر لواء مدرع إلى بولندا قادماً من قاعدة فورت هود في ولاية تكساس.
وبعد ذلك أعلن ترمب أنه سيرسل خمسة آلاف جندي إلى بولندا، إلا أن الوزارة لم تنشر حتى الآن قوات إضافية هناك.
وجاء ذلك بعد قرار الإدارة العام الماضي سحب لواء مشاة من رومانيا.
كما أوقفت وزارة الدفاع الأميركية نشر كتيبة من الجيش الأميركي مجهزة بصواريخ بعيدة المدى في ألمانيا.
وفي واشنطن، يسعى مشرعون جمهوريون وديمقراطيون بارزون إلى منع خفض إضافي للقوات الأميركية عبر إدراج بنود في مشاريع قوانين الإنفاق العسكري تمنع انخفاض عدد القوات الأميركية إلى أقل من 76 ألف جندي من دون مراجعة إضافية.
كما يتصاعد الجدل بشأن مخزونات الأسلحة والمعدات التابعة للجيش الأميركي والمخزنة مسبقاً في أوروبا.
وتهدف القيادة الأوروبية للجيش الأميركي إلى توفير أربع ألوية مدرعة خلال الأزمات، ولذلك تسعى إلى ضمان بقاء كميات كافية من الأسلحة والمعدات في أوروبا لتسريع نشر القوات الأميركية إذا جرى نقلها جواً من الولايات المتحدة.
إلا أن وزارة الدفاع لم توفر حتى الآن التمويل اللازم لذلك.
ويعمل الكونغرس كذلك على منع سحب أي من هذه المخزونات العسكرية من أوروبا، بينما يرى مسؤولون في البنتاغون أن هذه الخطوات تمثل تقييداً لصلاحيات ترمب بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وقالت السيناتورة الديمقراطية عن ولاية نيوهامبشر جين شاهين: «أعتقد أن الوزارة تخطئ بشكل جوهري في تقدير المزايا التي توفرها عملية التخزين المسبق للمعدات والأسلحة في أوروبا».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك