في أحد شوارع مدينة غزة، كانت رائحة الشوكولاتة والحلويات تملأ المكان، بينما كان مصنع ومعرض" Sweet Love" يشكل وجهة لعشرات الزبائن ومصدر رزق لاثنني عشرة عائلة فلسطينية.
لكن مع اندلاع حرب الإبادة، لم يكن الدمار يميز بين منزل ومصنع ولا بين حلم صغير واستثمار كبير، فتحول المشروع الذي استغرقت جيهان سنوات في بنائه إلى كومة من الرماد خلال الأسابيع الأولى للحرب.
وتستعيد رائدة الأعمال الفلسطينية جيهان سعد تفاصيل تلك الأيام بصوت يخالطه الحزن والإصرار، قائلة إن مشروعها الذي بلغت قيمة استثماراته نحو 150 ألف دولار، تعرض للحريق بالكامل في بداية الحرب، لتفقد خلال لحظات كل ما بنته على مدار سنوات من العمل والاجتهاد.
ولم تكن خسارة المشروع هي الضربة الوحيدة، فبعد أيام قليلة من اندلاع الحرب وبينما كانت العائلة قد نزحت من حي الدرج بمدينة غزة إلى منطقة اليرموك القريبة ثم إلى مكان نزوح آخر غرب المدينة، تعرض المكان لقصف مدفعي أدى إلى استشهاد ابنها محمد البالغ من العمر 21 عاما، لتجد نفسها في مواجهة خسارتين قاسيتين، فقدان الابن وضياع مصدر الرزق.
ورغم هذه المأساة، لم تستسلم جيهان لليأس، وتقول إن مسؤوليتها تجاه أسرتها التي تضم خمسة أفراد كانت الدافع الأقوى للاستمرار، مضيفة أن الحياة في غزة لا تمنح رفاهية التوقف وأن البحث عن وسيلة للعيش أصبح ضرورة يومية في ظل الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة.
قبل الحرب، كان مصنع" Sweet Love" متخصصا في إنتاج الشوكولاتة والحلويات بمختلف أنواعها ويوفر فرص عمل لعدة موظفات، إلا أن تدمير المصنع وانقطاع سلاسل التوريد وغياب المواد الخام، فرض عليها تغيير نشاطها مؤقتا.
وخلال أشهر الحرب والمجاعة في شمال غزة، اتجهت جيهان إلى إنتاج المعجنات، باعتبارها أكثر ملاءمة للمواد المتاحة واحتياجات السكان الذين كانوا يبحثون عن أي منتج غذائي يسد جزءا من احتياجاتهم اليومية.
وتوضح أن هذه الخطوة لم تكن خيارا تجاريا بقدر ما كانت وسيلة للبقاء والاستمرار، في وقت كانت فيه الأسواق تعاني نقصا حادا في السلع الأساسية، في ظل تجويع ممنهج تمارسه إسرائيل.
ومع تحسن نسبي في الأوضاع، بدأت جيهان رحلة إعادة بناء مشروعها من جديد، رغم أن الطريق لا يزال مليئا بالتحديات.
وتقول إن العودة إلى الإنتاج ليست سهلة فتكاليف التشغيل ارتفعت بصورة غير مسبوقة كما أن أسعار المواد الخام تضاعفت عدة مرات، فضلا عن صعوبة إدخالها بسبب القيود المفروضة على المعابر وعدم انتظام تدفق البضائع.
وتؤكد أن الكهرباء تمثل العقبة الأكبر أمام استمرار العمل، إذ يعتمد المصنع على معدات تحتاج إلى طاقة كهربائية مستقرة بينما يؤدي الانقطاع المتكرر للكهرباء إلى تعطيل الإنتاج، في حين أن الاعتماد على المولدات أو مصادر الطاقة البديلة يرفع تكاليف التشغيل بشكل كبير ويقلص هامش الربح في مشروع يحاول النهوض من جديد.
ورغم هذه الظروف، نجحت جيهان في إعادة تشغيل جزء من المشروع لكن بصورة أصغر من السابق.
واليوم يعمل معها ثماني نساء يعتمدن على هذا العمل لإعالة أسرهن، وبعضهن فقدن أزواجهن خلال الحرب وأصبحن المسؤولات الوحيدات عن رعاية أطفالهن.
وتقول إن توفير فرص العمل لهذه النساء يمثل رسالة إنسانية بقدر ما هو نشاط اقتصادي، إذ إن المشروع لا يقتصر على إنتاج الحلويات وإنما يمنح دخلا ثابتا لأسر فقدت معيلها ويساعد النساء على استعادة جزء من استقلالهن الاقتصادي في بيئة تعاني معدلات مرتفعة من البطالة والفقر.
مخاوف حاضرة بسبب الأوضاع في غزةولم يقتصر نشاط المشروع على الحلويات فقط حيث توسع أيضا ليشمل التعليب الغذائي، في محاولة للاستجابة لاحتياجات السوق المحلية وتنويع مصادر الدخل بما يضمن قدرة المشروع على الصمود أمام التقلبات الاقتصادية المتواصلة.
لكن المخاوف لا تزال حاضرة في كل تفاصيل العمل، فشبح عودة الحرب يرافق كل قرار استثماري، وتقول جيهان إن أكثر ما يقلقها هو احتمال تكرار النزوح مرة أخرى وما قد يترتب عليه من خسائر جديدة، بعد أن اختبرت بنفسها معنى أن يفقد الإنسان منزله وابنه ومصدر رزقه خلال فترة زمنية قصيرة.
وتضيف: " أصحاب المشاريع الصغيرة في غزة يعيشون حالة دائمة من عدم اليقين، ولا يواجهون فقط تحديات التمويل أو ارتفاع الأسعار، وهو ما يجعل التخطيط للمستقبل أمرا بالغ الصعوبة في ظل غياب الاستقرار واستمرار المخاطر الأمنية والاقتصادية".
وتؤمن جيهان بأن المشاريع الصغيرة تشكل أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي في قطاع غزة لأنها تخلق فرص عمل وتحرك عجلة الأسواق وتمنح الأسر القدرة على الاعتماد على نفسها، لكنها ترى أن استمرارها يحتاج إلى بيئة أكثر استقرارا وتوفير الكهرباء وضمان دخول المواد الخام بصورة منتظمة وبأسعار طبيعية إضافة إلى برامج دعم تساعد أصحاب المشاريع المتضررة على استعادة أعمالهم.
ورغم كل ما مرت به، ما زالت جيهان تنظر إلى مصنعها باعتباره أكثر من مجرد مشروع تجاري، فهو قصة صمود ووسيلة للحفاظ على كرامة أسرتها ورسالة أمل لكل من فقد شيئا في الحرب.
وبين أصوات الماكينات التي عادت للعمل وأيدي النساء اللواتي يواصلن الإنتاج، تحاول أن تثبت أن الحياة مهما أثقلتها المآسي قادرة على أن تبدأ من جديد.
وتعكس تجربة جيهان واقع آلاف المشاريع الصغيرة في قطاع غزة، التي تواجه تحديات إعادة الإعمار وتكافح أيضا للحفاظ على الوظائف وتأمين مصادر الدخل في اقتصاد أنهكته الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك