بدأت الأسر الجزائرية تستعين بمحفظي ومحفظات القرآن الكريم لتعليم الأطفال داخل المنازل، خاصة خلال العطل المدرسية والصيفية.
فبعد أن كان هذا النوع من التعليم مرتبطا أساسا بالكتاتيب التقليدية والمساجد والزوايا، والمدارس القرآنية، أصبح اليوم يمتد إلى البيوت.
مهنة فرضتها تحولات اجتماعية وأمنية وتربوية عديدة، فلم تكن معروفة ولا منتشرة بهذا الشكل المنظم من قبل، وقد تحولت إلى خيار مفضل لدى كثير من الأولياء، الذين باتوا يبحثون عن حلول تضمن لأبنائهم تعلم كتاب الله في بيئة آمنة، وتحت رقابة مباشرة من الأسرة.
أدت المساجد في الجزائر دورا محوريا في تعليم القرآن الكريم، حيث تخرجت أجيال كاملة من حفظة كتاب الله، على أيدي الأئمة والشيوخ والمحفظات، كما ظلت الكتاتيب والزوايا فضاءات أساسية لترسيخ التربية الدينية والقيم الروحية، لكن لتغير نمط الحياة، وارتفاع وتيرة انشغال الأولياء، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بتنقل الأطفال أو تركهم لساعات خارج المنزل، بدأ كثيرون يفضلون خيار الاستعانة بمحفظ أو محفظة يزور المنزل بشكل دوري، وبات من الشائع أن يستقبل المنزل معلما أو معلمة قرآن مرة إلى خمس مرات أسبوعيا، لتلقين الأطفال الحفظ، التجويد، التلاوة الصحيحة، وحتى مبادئ التربية الإسلامية.
تقول نورهان إنها اختارت لبنتيها محفظة قرآن من مسجد الحي، خصصت لها أجرة محترمة حتى تقضي معهما ساعتين يوميا في المنزل خلال العطلة: “عملي لا يسمح لي بنقلهما إلى المدرسة القرآنية وانتظار دوامهما، لذلك اهتديت إلى هذا الخيار، حتى أكون مطمئنة على بناتي، وأستغل وقتهما في حفظ كتاب الله، وتعلم الإنجليزية مع معلمة أخرى…”السبب الأبرز وراء انتشار هذه الخدمة، هو عامل الأمان، فالكثير من الأسر، خصوصا في المدن الكبرى، أصبحت أكثر حساسية تجاه مسألة حماية الأطفال من مختلف المخاطر، سواء تعلق الأمر بحوادث الطريق، أم الاحتكاك ببيئات غير مأمونة، أم حتى التحرش بمختلف أشكاله… وترى كثير من الأمهات أن التحفيظ المنزلي يحقق توازنا بين التربية الدينية والحماية النفسية والجسدية للأطفال، لأن الطفل يبقى داخل محيطه الآمن، تحت أعين والديه أو أحد أفراد الأسرة.
في هذا السياق، تقول نورهان إنها تشعر براحة أكبر عندما يتابع زوجها جلسة تحفيظ ابنها ذي العشر سنوات، أين يمكنه أن يراقب أسلوب المعلم وطريقة تواصله مع الطفل، وهو ما يمنحها شعورا بالطمأنينة والثقة: “لهذا قررت أن أخصص راتبا لمحفظ القرآن وطلبت من والد طفلي أن يمنحه ساعة كل يوم، لثلاث مرات في الأسبوع، لأنني رفضت تماما فكرة أن أترك ابني في المسجد بعد الفجر للحفظ، الأمر مرهق وغير آمن خاصة في خضم ما يصلنا من حوادث الاعتداء والتحرش بالأطفال”.
مهنة موسمية تتحول إلى مصدر دخلوسط الاختلاف القائم بين من يعتبر أن تحفيظ كتاب الله يجب أن يكون تطوعا، ومن يجد أن منح المحفظ وقته وجهده بالتنقل إلى البيوت يجب أن يكون بمقابل مادي يساعده على مواصلة رسالته كبقية المهن الأخرى، أصبحت هذه الخدمة تمثل مصدر دخل إضافي مهم، وأحيانا رئيسي، خصوصا خلال فصل الصيف والعطل المدرسية، فكثير من خريجي الجامعات الإسلامية، وطلبة الشريعة، وحتى الحافظات المجازات في القرآن، وجدوا في هذا المجال فرصة للعمل الشريف الذي يجمع بين الرسالة الدينية والمردود المالي.
ويختلف الأجر بحسب عدد الحصص، وعدد الأطفال، والمنطقة الجغرافية، ومستوى التعليم المطلوب، سواء كان حفظا فقط أم حفظا مع أحكام التجويد، كما أن الإقبال على المحفظات الإناث يظل أكبر نسبيا لدى العائلات، خاصة عندما يتعلق الأمر بتعليم البنات أو الأطفال الصغار، لما يراه الأولياء من راحة نفسية وثقة أكبر، فلم يعد اختيار محفظ القرآن قائما فقط على مستوى الحفظ أو إتقان التجويد، بل أصبح الأولياء يركزون أيضا على الجانب الأخلاقي والنفسي والتربوي، فالأسرة اليوم تبحث عن شخص متقن للقرآن وأحكام التلاوة حسن السيرة والأخلاق، قادر على التعامل النفسي السليم مع الطفل بعيدا عن العنف اللفظي أو الترهيب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك