حققت السعودية خلال الحرب الإيرانية، ما يمكن وصفه بأحد أكبر الإنجازات اللوجستية في تاريخ صناعة النفط الحديثة، بعدما نجحت خلال أيام قليلة في إعادة توجيه جزء كبير من سلسلة إمداداتها النفطية من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، مستفيدة من خط أنابيب شرق–غرب الذي يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على الساحل الغربي.
وكان سيناريو تعطّل الصادرات عبر مضيق هرمز ضيفاً دائماً على تحليلات المخاطر الجيوسياسية منذ الثمانينات، لكن الاختبار الفعلي الذي حدث في مارس الماضي، أظهر استعداداً سعودياً فاجأ الأسواق والمحللين.
وسريعاً ما تدفقت 7 ملايين برميل من النفط إلى الساحل الغربي على البحر الأحمر، وسمح ذلك باستعادة 5 ملايين برميل يوماً من قدرة التصدير خلال أيام قليلة، فيما كانت الكميات المتبقية تذهب إلى المصافي المحلية.
وفي ظل الأزمة الأخيرة، برزت" موثوقية الإمدادات" كعامل أساسي في اعتبارات أسواق الطاقة، يتقدم أحياناً على وفرة الإمدادات.
فأمن الطاقة لم يعد يعتمد على عقود التصدير فقط، بل على الثقة بالقدرة على تنفيذها في مختلف السيناريوهات القاهرة.
وأصبحت السعودية تشغل موقعاً يتجاوز كونها أكبر مُصدّر للنفط الخام، لتصبح أحد أهم أعمدة موثوقية الإمدادات العالمية.
ففي أسواق الطاقة، لا تُقاس أهمية المنتج بحجم إنتاجه فقط، بل أيضاً بقدرته على إيصال النفط إلى العملاء في كل الظروف.
وباتت هذه الموثوقية أحد أهم عناصر القوة السعودية، سواء لدى كبار المستهلكين في آسيا، أو لدى الأسواق الأوروبية والأميركية التي تنظر إلى استقرار الإمدادات باعتباره عنصراً أساسياً في أمنها الاقتصادي.
وبعدما كشفت وكالة" رويترز" عن دراسة الرياض رفع طاقة الخط إلى نحو 9 ملايين برميل يومياً، يبدو أن المملكة تستعد لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة أزمات المستقبل، تتراجع فيها الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز في سلاسل إمداد الطاقة العالمية.
وتتجاوز القيمة الاستراتيجية لخط شرق- غرب، نقل ملايين البراميل يومياً لأنه يمنح المملكة استقلالية أكبر في قراراتها التصديرية، وينوّع مخاطر انقطاع الإمدادات.
ويعزز قدرة السعودية على الاضطلاع بدور" صمام الأمان" للأسواق العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك