محاربة الفساد شعار أطلقته جميع الحكومات في العراق وضمنته بنداً ثابتاً في المنهاج الوزاري والبرنامج الحكومي، وبالخط الموازي لذلك فإن المرجعية الدينية نادت مراراً وتكراراً بمحاربة الفساد، إلى جانب دعوات السيد مقتدى الصدر والفعاليات الشعبية والصحافة والإعلام بكافة أنواعه.
ومع ذلك جرى العمل على إبقاء الملف حبراً على ورق أو مجرد محاولات خجولة هنا أو هناك، والسبب معروف، إذ لا يوجد قصور في عمل هيئة النزاهة أو السلطات القضائية، وإنما الإرادة السياسية تمنع من اتخاذ الخطوات العملية في هذا الاتجاه، وتزدحم الشاشات بالبرامج الحوارية التي أبطالها نواب ونشطاء ينادون جهاراً نهاراً بالقضاء على الفساد.
لقد تغول الفساد في كل مفاصل الدولة وصار عرفاً محمياً وله ارتباط وثيق بالاقتصاديات التابعة للأحزاب، ووصل المرجعية العليا إلى إغلاق أبوابها وإيقاف خطبة الجمعة وكأنها وصلت مرحلة اليأس حتى قال ممثلها (لقد بُحّت أصواتنا).
وكانت الإجراءات غالباً تستهدف صغار الموظفين وتنتهي دون أضواء أو ترويج، عدا قضية الأمانات الضريبية التي كان بطلها نور زهير، والتي لا نعرف مصيرها ولا مصير أموالها بعد إطلالة رئيس مجلس الوزراء السابق في إعلان متلفز وأمامه حزم من النقود، ليطلق بعدها حملة على ما يُعرف بالمحتوى الهابط بدلاً من الفساد.
وفي ظل تزايد النقمة الشعبية وسوء الإدارة والأزمة المالية التي عصفت بالبلاد، والأزمة الاقتصادية التي رافقت الحرب الأخيرة التي كشفت عورة السلطة وأثبتت العقم في إيجاد الحلول الناجعة، وتشكيل الحكومة الجديدة، برز التحدي مرة أخرى في ظل هذه التعقيدات، ليُطرح السؤال الكبير: هل يمكن مواجهة الفساد في حرب مفتوحة لا تستثني أحداً؟ وهل يمكن المساس بأناس لهم تمثيل دائم بالعملية السياسية ولهم حضورهم ومنهم قادة كتل؟ وهل يسمح الوضع السياسي القائم على التخادم والحماية المتبادلة للمصالح بهذه الحرب؟
لم يكن أشد المتفائلين يتوقع أن يد العدالة تطال فلاناً أو فلانة، وهنا جاء القرار مزلزِلاً شجاعاً قوياً متحدياً متجاوزاً التراكمات السابقة من القضاء ورئاسة الحكومة وهيئة النزاهة بالذهاب للمواجهة والإطاحة بأسماء لها ثقلها في عملية شجاعة عُرفت بـ(صولة الفجر).
هل هذا يعني أننا قضينا على الفساد؟ الجواب كلا، لقد بدأنا تلك الخطوة الجريئة، وهذه الخطوة يجب أن تتبعها خطوات أكثر جرأة، ونحن نلاحظ مدى التجاوب الشعبي والتأييد لها مما يعني وجود زخم كبير.
ومن الجدير بالذكر أن جميع الفاسدين الآن يشعرون بالرعب وعدم الراحة وتنتابهم الحيرة والقلق مما هو قادم، لذلك فإن التقييم الموضوعي لـ(صولة الفجر) يجب أن يراعي الظروف والتحديات والصعوبات، وأن يكون التفاؤل الحذر هو سيد الموقف مع استمرار الدعم وتعرية موقف كل من يدافع عن الفاسدين ونبذهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك