رغم أن ليبيا تُعد من أبرز الدول المنتجة للنفط في أفريقيا، فإن أزمة الوقود لا تزال تتكرر بصورة لافتة، ما يثير تساؤلات حول أسباب استمرارها في ظل ارتفاع الإنتاج النفطي، وبين وفرة النفط الخام واستمرار استيراد المشتقات النفطية، تتجه الأنظار إلى واقع قدرات التكرير المحلية ومنظومة الإمداد والتوزيع، باعتبارها عوامل رئيسية تؤثر في توافر الوقود داخل السوق الليبية.
وكشف الخبير الاقتصادي والنفطي محمد الشحاتي أن أزمة الوقود التي تشهدها ليبيا لا ترتبط بحجم إنتاج النفط الخام، موضحًا أن البلاد تنتج حاليًا ما يقارب 1.
4 مليون برميل من النفط يوميًا، إلا أن محدودية قدرات التكرير المحلية تدفعها إلى استيراد كميات كبيرة من المشتقات النفطية.
وقال الشحاتي في تصريحات لشبكة “عين ليبيا” إن هناك فرقًا بين إنتاج النفط الخام وإنتاج الوقود المكرر داخل المصافي، مشيرًا إلى أن الاستهلاك المحلي في ليبيا يصل إلى نحو 350 ألف برميل يوميًا، بينما لا تتجاوز قدرة المصافي المحلية 150 ألف برميل يوميًا.
وأضاف أن هذا العجز يعني حاجة ليبيا إلى استيراد ما يقارب 200 ألف برميل يوميًا من الخارج في صورة بنزين للسيارات وديزل لتغطية احتياجات السوق المحلية.
وأوضح الخبير النفطي أن قيمة فاتورة استيراد الوقود تختلف وفق أسعار النفط العالمية، مبينًا أنها تصل إلى نحو 5 مليارات دولار سنويًا عندما يكون سعر برميل النفط عند 60 دولارًا، بينما ترتفع إلى نحو 8 مليارات دولار سنويًا عندما يصل السعر إلى 70 دولارًا للبرميل.
وأشار الشحاتي إلى أن استمرار استيراد الوقود رغم كون ليبيا دولة منتجة للنفط يعود إلى محدودية قدرات المصافي، خصوصًا في إنتاج بنزين السيارات الذي يحتاج إلى مصافٍ أكثر تطورًا لاستخلاص كميات أكبر منه.
وأكد أن استيراد البنزين قد يكون أكثر جدوى اقتصاديًا من تكريره محليًا في بعض الحالات، لأن تصدير النفط الخام الليبي يحقق عائدًا أعلى مقارنة باستخدامه في عمليات التكرير المحلية.
ولفت إلى أن توقف مصفاة رأس لانوف في خليج سرت أدى إلى فقدان جزء كبير من طاقة تكرير الديزل، ما زاد الاعتماد على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق.
وفيما يتعلق بتهريب الوقود، قال الشحاتي إن التقديرات تختلف بين جهة وأخرى، معتبرًا أن بعض الأرقام الصادرة عن مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة سانتري مبالغ فيها.
وأضاف أنه يقدر حجم تهريب الوقود بنحو 15% من الوقود المستورد، مشيرًا إلى أن التهريب يساهم في تفاقم الأزمات لكنه ليس السبب الرئيسي وراء نقص الوقود.
وأوضح الخبير النفطي أن السبب الأساسي للأزمات يتمثل في اختناقات التزويد في موانئ التسليم، إضافة إلى عدم توفر طاقة تخزين كافية تسمح بتأمين الإمدادات بصورة مستقرة.
وحول الخسائر الناتجة عن نقص التكرير والاعتماد على الاستيراد، أكد الشحاتي أن الدولة لا تتكبد خسارة مالية مباشرة، بل على العكس فإن تصدير النفط الخام يحقق تدفقًا نقديًا أعلى مقارنة بتكريره محليًا.
وقال إن الخسارة الحقيقية مرتبطة بأمن الإمدادات، موضحًا أن الدول قد تتحمل تكاليف إضافية للحفاظ على قدراتها التكريرية بهدف تجنب أزمات العرض والضغوط السياسية الخارجية.
وأكد الشحاتي أن النسبة الحالية بين النفط المصدر والاستهلاك المحلي مناسبة، لكنه أشار إلى أن التوسع في التكرير المحلي، سواء عبر إعادة تشغيل مصفاة رأس لانوف أو إنشاء مصفاة جديدة، يحتاج بالتوازي إلى رفع إنتاج النفط الخام، وهو أمر يتطلب استثمارات كبيرة.
هذا وتعتمد ليبيا بشكل رئيسي على قطاع النفط كمصدر أساسي للإيرادات العامة، إلا أن قطاع التكرير يواجه تحديات مرتبطة بقدم بعض المنشآت وتراجع الطاقة التشغيلية لبعض المصافي.
وتتكرر أزمات الوقود في ليبيا رغم استمرار الإنتاج النفطي، بسبب عوامل متعددة تشمل ضعف البنية التحتية، وتأخر عمليات الصيانة والتطوير، ومشكلات التوزيع والتخزين، إضافة إلى انتشار تهريب بعض المشتقات النفطية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك