سجلت أحزاب الكتلة الإسلامية، التي تتوزع بين الموالاة والمعارضة، تراجعاً طفيفاً في حصيلة نتائجها في الانتخابات النيابية التي جرت الخميس الماضي في الجزائر، رغم وجود تطور لافت في كتلة الأصوات التي حصلت عليها مقارنة بالانتخابات النيابية السابقة في عام 2021، فيما تعتبر أغلب قيادات هذه الأحزاب أنها تعرضت لـ" مظلمة انتخابية" أدت إلى خسارتها بعض المقاعد.
وبدت قيادة حركة البناء الوطني، التي يقودها المرشح الرئاسي السابق عبد القادر بن قرينة، راضية بما حققته في الانتخابات النيابية.
وعند إعلان النتائج أمس الاثنين، ظهرت قيادة الحركة وهي تتابعها بتفاؤل، وصفق الحاضرون عند إعلان رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات كريم خلفان حصول الحركة على 38 مقعداً، رغم أنها، من زاوية حسابية، خسرت مقعداً واحداً مقارنة بانتخابات عام 2021.
غير أن قيادة الحركة تعتبر أن المقعد النيابي ليس وحدة قياس مستقلة، وإنما هو نتيجة لتفاعل الأصوات مع توزيع الدوائر الانتخابية، وشروط المنافسة، وحجم الحضور الجغرافي، إذ باتت الحركة ممثلة نيابياً في 34 ولاية.
وكشف رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة، في الكلمة التي ألقاها تعليقاً على النتائج، أن الحركة حافظت على وعائها الانتخابي، رغم تعرضها، بحسب قوله، لـ" ظلم انتخابي" حرمها من مزيد من المقاعد.
وأعلن تقديم طعون إلى المحكمة الدستورية تخص النتائج في عشر ولايات، لاسترجاع المقاعد، متحدثاً عن وجود خروق في بعض مكاتب التصويت، وتزوير في المحاضر النهائية للنتائج.
وقدم نماذج عن محضر في أحد مراكز التصويت لصالح بعض الأحزاب والمرشحين، وكذا عن" تصويت الموتى" في أحد المراكز الانتخابية في منطقة بريكة شرقي البلاد، مطالباً أجهزة الدولة والقضاء بالتحرك للتحري في المسألة.
وحصلت حركة مجتمع السلم، كبرى القوى الإسلامية، على 43 مقعداً، متراجعة بـ22 مقعداً كاملاً مقارنة بانتخابات عام 2021.
لكن هذا التراجع في عدد المقاعد يقابله تضاعف في الكتلة الناخبة التي صوتت لصالح الحركة، من 200 ألف صوت في الانتخابات الماضية إلى 400 ألف صوت، وهي مفارقة تقنية أكثر منها سياسية، ترتبط بالمعامل الانتخابي ونسبة التصويت المتدنية التي فرضت تشتيت المقاعد في الولايات.
ففي ولاية غليزان غربي الجزائر، كانت الحركة قد حصلت في انتخابات 2021 على أربعة مقاعد بكتلة ناخبة بلغت خمسة آلاف صوت، بينما لم تحصل سوى على مقعد واحد في انتخابات الخميس الماضي، رغم تصويت 15 ألف ناخب لصالح قائمتها، بسبب العزوف الكبير، وتغير قواعد المنافسة، ومعامل توزيع المقاعد.
ورغم ذلك، قال رئيس الحركة عبد العالي حساني، في مؤتمر صحافي الثلاثاء: " نحن نطرح سؤالاً موضوعياً: هل تراجعنا أم تعرضنا لعملية تقزيم؟ نحن نعتقد أنه كانت هناك عملية تقزيم لنتائج الحركة، وهناك نتائج مطعون فيها في عدة ولايات لها علاقة بالنتائج النهائية.
حركتنا ليست مجرد أرقام، وإنما هي رصيد من المساهمة في بناء البلاد".
وأضاف: " نحن حزب مسؤول، وسنقوم بتقييم جدي للنتائج وبنقاش داخلي بشأنها، وليس لدينا أي حرج أو عقدة تجاه النتائج، وإذا كان يتعين علينا تغيير القيادة فليكن ذلك".
وتتوزع الكتلة الإسلامية في الخريطة السياسية الجزائرية على أربع قوى رئيسة، هي: حركة مجتمع السلم المعارضة، التي تعد الحزب الأبرز في التيار الإسلامي، وحركة البناء الوطني، وهي حزب انشق عام 2012 عن حزب جبهة التغيير، الذي كان قد انشق عام 2008 عن حركة مجتمع السلم، قبل أن يعود الحزبان إلى الوحدة عام 2017.
وتعد حركة البناء من الأحزاب الموالية، وهي عضو في الحزام الحكومي والداعم لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون.
كما تضم الكتلة جبهة العدالة والتنمية التي يقودها الشيخ عبد الله جاب الله، أحد أبرز مؤسسي التيار الإسلامي في الجزائر، إضافة إلى حركة النهضة، التي كانت تمثل الضلع الثالث للقوى الإسلامية في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تتراجع بشكل كبير خلال العقدين الماضيين بفعل سلسلة من الانشقاقات المتتالية.
وأكد رئيس حركة النهضة محمد دويبي، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن الحركة، كباقي القوى السياسية في التيار الإسلامي، " قدمت جهوداً مضنية ومحترمة في مسار التحضير لهذه الاستحقاقات، وشاركت بروح المسؤولية الوطنية، وببرنامج نابع من عمق اهتمامات المواطنين وأولويات الدولة، وخاضت حملة انتخابية نظيفة بقيمها السياسية المتأصلة منذ نشأتها، بعيداً عن كل تهريج سياسي أو استفزاز للمواطنين الذين احترمت قناعاتهم وآراءهم".
وحصلت حركة النهضة على مقعدين، فيما حصلت جبهة العدالة والتنمية على أربعة مقاعد، ليصبح مجموع ما حصلت عليه الكتلة الإسلامية في البرلمان، بأحزابها الأربعة، نحو 90 نائباً، بتراجع طفيف مقارنة بالانتخابات السابقة، حين كانت الكتلة الإسلامية تمثل نحو ربع البرلمان بـ100 نائب.
ولا يرى مراقبون في نتائج التيار الإسلامي في الانتخابات الجزائرية تراجعاً سياسياً، خاصة في ظل ظروف محلية وإقليمية ملتبسة.
ويعتبر المحلل السياسي البشير رحماني، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن" قوى التيار الإسلامي في الجزائر ما زالت تتميز بمرونة سياسية كبيرة تجعلها أكثر قدرة على التكيف مع النتائج والأوضاع، وقراءة مآلات الاستحقاقات السياسية والانتخابية بصورة هادئة، بحيث يصبح استمرارها في الساحة السياسية محدداً مهماً، في مقابل الضغوط ومحاولات الاستبعاد من الساحة.
ولذلك أعتبر أن تطور الكتلة الناخبة للقوى الإسلامية أكثر أهمية، من حيث الدلالة السياسية والشعبية، من عدد المقاعد المحصل عليها، خاصة في ظل برلمان حالي لا يؤثر بشكل فعال في الخيارات والمسارات الكبرى".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك