لطالما كانت الإسكندرية، عروساً، ساحرة وملهمة، مدينة استثنائية تفوح من جدرانها رائحة التاريخ، ويمتزج في فضائها عبق اليونان والرومان بأصالة الحارة المصرية الحية.
من يسير على كورنيشها العتيق يشعر بنسماتها اللطيفة وهى تغسل هموم الروح، ويرى في زرقة بحرها رونقاً خاصاً لا تشبهها فيه مدينة أخرى على وجه الأرض، فالإسكندرية ليست مجرد مقصد صيفي عابر يرتاده العابرون، بل هى حالة وجدانية عميقة، وعاصمة ثقافية وتاريخية تنبض بالجمال والسحر في كل تفاصيلها.
في السنوات الأخيرة، شهدت الإسكندرية ثورة تعميرية وتطويرية غير مسبوقة أعادت صياغة ملامحها نحو الأفضل، حيث لم تبخل الدولة بجهد أو مال لإعادة البريق إلى جسد المدينة المنهك، فنفذت مشروعات ضخمة انطلقت من مشروع الهوية البصرية، الذي يهدف لاستعادة الطابع الجمالى الموحد، مرتدة إلى توسعة وتطوير الكورنيش المحورى، وإنشاء محور المحمودية الذي بات شرياناً جديداً للحياة يقضى على التكدس المرورى ويخلق مجتمعات حضارية بديلة للعشوائيات، وصولاً إلى تطوير حدائق المنتزه التاريخية وأنفاق وكبارى ومشروعات حماية الشواطئ من النحر والتغيرات المناخية، وكل هذه الجهود التي تكلفت مليارات الجنيهات صيغت بأيدى مهندسين وعمال واصلوا الليل بالنهار لكى يعود للإسكندرية رونقها الحاضر الذي يستحقه مواطنوها وزائروها على حد سواء.
ومع إشراقة كل موسم صيفي واحتشاد الحشود، يلوح في الأفق خطر داهم يهدد بابتلاع هذا الإنجاز الكبير، وهو خطر لا يأتى من غضب الطبيعة أو تقلبات الأنواء، بل ينبع للأسف من سلوكيات كثير من المصطافين والزوار، حيث بات غياب الوعى البيئى وانتشار العشوائية في التعامل مع المرافق العامة يشكلان معضلة حقيقية تشوه وجه المدينة الساكن في الوجدان.
إن المشهد المتكرر لإلقاء المخلفات والبلاستيك على الشواطئ وفي مياه البحر الفيروزية، وتحويل الكورنيش في بعض المناطق إلى سوق عشوائى يفترشه البعض دون مراعاة للنظام أو النظافة، يثير غصة حارقة في قلب كل محب لهذه المدينة العريقة، ويطلق ناقوس خطر ينذر بأن استمرار هذه السلوكيات اللامسئولة يعنى ببساطة أن كل ما أنجزته الدولة من تطوير وتحديث قد يذهب أدراج الرياح، فالجمال لا يمكن أن يتنفس إذا حاصرته السلوكيات العشوائية، والتطوير العمرانى يفقد قيمته ومعناه إذا لم يوازه ويحميه تطوير سلوكى نابع من وعى حقيقى.
إنقاذ الإسكندرية واستعادة بهائها ليس مسئولية الأجهزة التنفيذية وحدها، بل هو عقد اجتماعي وأخلاقي متكامل يجمع بين الدولة والمواطن، ولتحقيق هذا الإنقاذ يتعين علينا التحرك بوعى وحسم من خلال إطلاق حملات توعوية وإعلامية مكثفة تخاطب القلوب والعقول، تحت شعار يرسخ قيم الحفاظ على عروس البحر، بالتوازى مع تطبيق صارم وحازم للقانون يفرض غرامات فورية ورادعة على كل من يشوه المظهر العام أو يلقى بالقمامة في غير أماكنها، فضلاً عن أهمية التوسع في توفير البدائل الحضارية من سلال مهملات متطورة على طول الشواطئ، وتنظيم عمل الباعة في أسواق محددة تليق بجمالية المشهد.
ستبقى الإسكندرية جميلة بروحها، غنية بتاريخها، ومتألقة بمشروعاتها الجديدة التي تعيد صياغة مستقبلها، ولكن استدامة هذا الجمال تظل رهناً بوعى زائريها ومقدار احترامهم لتفاصيلها، فالحفاظ على نظافة المدينة هو المعيار الحقيقى لثقافتنا وتحضرنا الإنسانى، ولنكن جميعاً حراساً لهذا السحر، لكى تبقى الإسكندرية دائماً كما أردناها، واحة للجمال والصفاء، لا تبدد أمواج العشوائية واللامبالاة ملامحها المشرقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك