باريس - فرضت محكمة الاستئناف في باريس، الثلاثاء، عقوبة على زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن بـ45 شهرا من عدم الأهلية، منها 15 شهرا مع النفاذ، في قضية اختلاس أموال من البرلمان الأوروبي.
يفتح هذا الحكم القضائي فصلا جديدا صاخبا في المشهد السياسي الفرنسي المشتعل بطبيعته، إذ يتيح لها من الناحية النظرية البحتة والترتيب القانوني الجاف الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة المزمع عقدها في عام 2027، نظرا لأن المدة التنفيذية لعدم الأهلية ستكون قد انقضت قبل الموعد الحاسم لفتح باب الترشيح القانوني.
ويتداخل الشق القانوني مع الشق السياسي العملي بشكل معقد للغاية في هذه القضية المثيرة للجدل، حيث قضت المحكمة ذاتها بحبس لوبن لمدة عام كامل مع استبدال السجن الفعلي بإلزامها بوضع سوار إلكتروني لمراقبة حركتها وتحديد إقامتها.
ويفرض هذا القيد التقني واللوجستي الصارم تحديا هائلا يكاد يكون مستحيلاً أمام أي سياسي يطمح لخوض غمار حملة انتخابية رئاسية شرسة تتطلب التواجد المستمر في الميدان، والسفر والترحال اليومي بين مختلف الأقاليم والمدن الفرنسية، وعقد المؤتمرات الجماهيرية الحاشدة، والتفاعل المباشر واللحظي مع الناخبين في الشوارع والأسواق.
وأربك هذا القرار القضائي الحسابات الإستراتيجية لمعسكر اليمين المتطرف بأكمله، لا سيما وأن مارين لوبن كانت قد صرحت علانية وبشكل حاسم في وقت سابق بأنها لن تخوض غمار السباق الرئاسي على الإطلاق في حال فُرض عليها وضع السوار الإلكتروني، معتبرة إياه قيدا مهينا يمنعها من ممارسة العمل السياسي الحقيقي والتواصل الطبيعي مع الجماهير.
ويضع هذا الموقف المبدئي الحزب وقاعدته الانتخابية العريضة أمام معضلة وجودية حقيقية وخيارات بديلة شائكة، خاصة وأن العديد من استطلاعات الرأي العام الأخيرة كانت تضع لوبن في موقع الصدارة والأفضلية المطلقة لخلافة الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه.
وتترقب الأوساط السياسية الفرنسية بمختلف توجهاتها تداعيات هذا الحكم على تماسك الجبهة السياسية، حيث يرى المؤيدون للوبن في هذا القرار محاولة مستترة لعرقلة مسيرتها الناجحة وإقصائها عن المشهد عبر أدوات قضائية، مما قد يساهم في زيادة تعاطف الناخبين معها وتعزيز خطابها المعتمد على مظلومية مواجهة" النخبة الحاكمة".
وفي المقابل، ينظر الخصوم السياسيون إلى الحكم كإقرار حتمي بضرورة سيادة القانون ومحاسبة الجميع دون استثناء، معتبرين أن اختلاس الأموال العامة، حتى وإن كانت أوروبية، يمثل خطاً أحمر لا يمكن التغاضي عنه لأي شخص يطمح لقيادة الدولة الفرنسية.
وتتجه الأنظار الآن نحو الخطوات القانونية المقبلة التي قد يلجأ إليها فريق الدفاع عن لوبن، مثل الطعن بالنقض أو محاولة تعديل شروط تنفيذ عقوبة السوار الإلكتروني، في محاولة مستميتة لإنقاذ طموحاتها الرئاسية والحفاظ على زخم حزب" التجمع الوطني" الذي بنى كل استراتيجياته للمرحلة المقبلة على كاريزما زعيمته التاريخية.
وستبقى الخارطة السياسية لفرنسا معلقة بين نصوص الأحكام القضائية وتحركات الشارع، لتحدد ملامح معركة رئاسية استثنائية بدأت طبولها تقرع مبكراً من داخل أروقة المحاكم قبل صناديق الاقتراع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك