مئات الزوار يلتفون حول معرض للصور الفوتوغرافية واللوحات التشكيلية في المركز الثقافي بمدينة أم درمان، وكل يرى مشاهد الخرطوم، ملامح السودان قبل اندلاع الحرب، من معالم سياحية وعادات وتقاليد وتراث وطبيعة، وكذلك توثيق آثار الدمار والتخريب في العاصمة والانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المدنيون خلال ثلاثة أعوام وقبل التحرير وطرد قوات" الدعم السريع"، إضافة إلى تقديم معالجة بصرية تكشف كيف بدأت الحياة تعود تدريجاً إلى مدن العاصمة الثلاث بحري وأم درمان والخرطوم، ومشاهد عودة النازحين واللاجئين إلى منازلهم.
جمع معرض" الصورة تحكي" أكثر من 200 صورة ولوحة تشكيلية، قدمها 13 فناناً تشكيلياً ومصوراً سودانياً، لا يكتفي المعرض برصد حجم الدمار الذي طاول العاصمة السودانية، بل يحاول رسم ملامح المستقبل عبر استعراض رؤى ومبادرات لإعادة البناء واستعادة الحياة، ويطرح تساؤلات حول كيفية تحويل آثار الحرب إلى نقطة انطلاق نحو التنمية وإعادة الإعمار.
شهد معرض" الصورة تحكي" إقبالاً لافتاً واستقطب مئات الزوار، واستوقفت مشاهد أهوال الحرب جميع الحاضرين من خراب وعنف، ومشاهد مؤلمة ومؤثرة في شوارع الخرطوم لحطام مركبات محترقة وبنايات كانت حتى قبل ثلاثة أعوام من معالم العاصمة التاريخية وأسواق ومراكز ثقافية تشوهت بفعل القصف وتحولت أخرى إلى هياكل تفحمت بالحريق.
كل صورة ولوحة لها حكايتها، تروي الواقع وتنشد الأمل المشرق، وبين مئات الصور المعروضة، برزت أعمال حصدت جوائز دولية مرموقة للمصور السوداني مبارك حتة في موقع" أصدقاء الضوء"، إذ حصلت صورتان على المركز الأول وسط منافسة كبيرة من مصورين في مختلف دول العالم ضمن منافسة الرؤية البصرية.
ولاقت صور المعرض تفاعلاً كبيراً في منتديات السودانيين بمواقع التواصل الاجتماعي وحصدت آلاف التعليقات، نظراً إلى أنها تتناول الحياة في العاصمة السودانية الخرطوم بعد التحرير، والمشاهد اليومية وحركة الناس والوجوه.
في السياق يقول المصور السوداني مبارك حتة لـ" اندبندنت عربية" إن" المعرض يعتبر أول تظاهرة فنية ثقافية عقب تحرير الخرطوم، وتوزعت الأعمال على أربعة محاور، منها استعادة ملامح السودان قبل اندلاع الحرب، من معالم سياحية وعادات وتقاليد وتراث وطبيعة، أما المحور الثاني فوثق الدمار والتخريب الذي تعرضت له العاصمة الخرطوم، والانتهاكات الجسيمة والجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين خلال فترة سيطرة قوات ’الدعم السريع‘على العاصمة، وركز المحور الثالث على توثيق أحداث استعادة الخرطوم وتحريرها، ومشاهد خروج المواطنين لاستقبال جنود الجيش السوداني بالزغاريد عقب سيطرتهم على العاصمة، إلى جانب أجواء الفرح التي عمت الشوارع والبيوت، وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، واختتم المعرض بمحور حمل عنوان ’سودان ما بعد الحرب.
إرادة البناء والعودة‘، الذي أظهر استئناف حياة الناس الطبيعية والأنشطة كافة".
وأضاف أن" المعرض يشمل لوحات تشكيلية بمشاركة الفنانين عثمان عوض الذي قدم أعمالاً تعكس حياة الريف السوداني ولمة الأسر، واستخدمت في هذه المجموعة الألوان الزيتية، وتنوعت لوحات الفنان السوداني بيكاسو المقيم في بريطانيا بين الشخصيات والرموز وتلاحم الداخل خلال فترة الحرب بالخرطوم، وبرع المصورون والتشكيليون في تقديم رؤية بصرية جاذبة وجدت استحساناً كبيراً من الزوار".
وأوضح حتة أن معرض" الصورة تحكي" يعتبر بداية لفعاليات جديدة في السودان تشمل محاضرات وورش عمل متخصصة ومعارض تنقل التباين والتنوع في البلاد، وتسهم في عكس جمال وتنوع وثراء الطبيعة، بعيداً عما رسخ في ذاكرة السودانيين من مشاهد الدمار والخراب والعنف التي خلفتها الحرب".
استوقفت زوار المعرض صورة الطفلة آية، ابنة المصور محمد يوسف الفتايابي، التي ارتبطت بحكاية شخصية تعكس المعاناة التي مرت بها الأسر السودانية أثناء الحرب في الخرطوم، إذ وثقت لحظات القسوة وعيش الأم مخاض والدتها في الثانية صباحاً، وكانت العائلة تقيم في منطقة الكلاكلة جنوب العاصمة المحاصرة وقتها، ولم تجد مستشفى يستقبلها، نتيجة صعوبة الوصول إلى المراكز الطبية بسبب أخطار القصف وانفراط الأمن، على رغم أن المستشفى التركي يبعد كيلومترات قليلة من منزلهم.
وقال الفتايابي إنه" اضطر لمساعدة زوجته على الولادة داخل المنزل، وكانت لحظات صعبة للغاية، احتملت فيها الألم لساعات، ثم وثق بعدسته الصرخة الأولى لابنته، واستمر في تصويرها خلال سنواتها الأولى حتى بلغت الرابعة من عمرها، وباتت قصتها إحدى أكثر صور المعرض تأثيراً".
في المنحي ذاته أشار أمين المعارض بالنادي السوداني للإعلام محمد يوسف الياس إلى أن" فكرة المعرض نتجت من المعاناة في العاصمة خلال فترة الحرب، إذ وثقنا آلاف المشاهد والأحداث عندما كنا محاصرين في الخرطوم، ومن ثم شرعنا في تنظيم المعرض من أجل التوثيق وتوصيل الرسائل عبر الصورة، والحكي عن الأحداث".
ولفت أمين المعارض إلى أن" المعرض ركز على أهمية تحدي الإعمار كأولوية قصوى لإعادة عجلة الحياة من جديد، فضلاً عن كيفية البناء والعودة وإعمار المنازل، واستئناف العائدين من مناطق النزوح واللجوء حياتهم الطبيعية".
ونوه الياس بأن" مشاركة الفنانين التشكيليين في المعرض قدمت إضافة نوعية، إذ عكست تنوعاً في الأساليب والمدارس الفنية، وأسهمت في إثراء التجربة البصرية للزوار، كذلك منحت المعرض بعداً جمالياً وثقافياً يعكس حيوية الحركة التشكيلية وقدرتها على توثيق الواقع والتعبير عن قضاياه".
وتابع" سيكون هناك عدد من المعارض خلال الفترة المقبلة حول واقع الحياة في السودان عبر الصورة، وسحر الطبيعة، فضلاً عن تراث البلاد وتنوع الفنون، والسودان الإنسان والبيئة والحياة اليومية والعادات والتقاليد وأعمال الكادحين في الأسواق".
على نحو متصل اعتبرت الفنانة التشكيلية سارة بخاري أن" المعرض فرصة للتفكير والتأمل في ضرورة وقف الحرب، والمشاهد التي رصدها المصورون والفنانون التشكيليون تعطي الدروس للعالم أجمع بضرورة التحرك الفوري للإسهام في حل الأزمة السودانية بصورة عاجلة حتى لا تتفاقم الأوضاع ويطيل أمد الصراع المسلح أكثر من ذلك".
وبينت بخاري أن" المعرض يعكس قدرة الصورة واللوحة على حفظ الذاكرة، وتوثيق معاناة المدنيين، وإبراز إرادتهم في استعادة حياتهم على رغم حجم الخراب والدمار، وكذلك رصد ملامح الصمود والإصرار على استعادة الحياة، لتروي قصة مجتمع يسعى إلى تجاوز آثار الحرب والمضي نحو التعافي وإعادة البناء".
وعبرت الفنانة التشكيلية عن أملها في أن" يكون هذا المعرض بمثابة حملة توعية من الآثار المروعة للحرب والعنف، بخاصة للفئات الأكثر هشاشة في مناطق النزاعات المسلحة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك