أثار بدء عملية هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي المشيّد عام 1935 موجة اعتراضات وانتقادات واسعة في محافظة الحسكة، وسط انقسام بين مبررات" بلدية الشعب" التابعة للإدارة الذاتية التي قالت إن" المبنى فقد صلاحيته الفنية وسيُستبدل بمشروع استثماري، وبين جهات مدنية وحقوقية ترى أن هدمه يستهدف ذاكرة المدينة وتراثها العمراني".
ودخلت الحكومة السورية على خط الأزمة بعدما نددت بعملية الهدم، وحذّرت من اتخاذ أي إجراءات قانونية ترتبط بالعقار في ظل استمرار الجدل حول ملكيته ومستقبل الموقع بعد إزالة المبنى.
وكان لافتاً أن أعمال الهدم جاءت بعد أيام قليلة من العثور على اللوحة التأسيسية الأصلية للمبنى، المكتوبة باللغتين العربية والفرنسية وتحمل اسم" دار بلدية القامشلية"، ما أعاد تسليط الضوء على القيمة التاريخية للمعلم الإداري الذي يُعد من أقدم المباني الرسمية في المدينة، التي تستعد لإحياء الذكرى المئوية الأولى لتأسيسها في 5 أغسطس/ آب المقبل.
وقالت" بلدية الشعب" إن" قرار إزالة المبنى استند إلى تقارير فنية أكدت انتهاء عمره التقني والاقتصادي، وأن الشركة الفرنسية التي أشرفت على إنشائه أوصت منذ عام 2008 بعدم صلاحية استمراره في الخدمة.
وأوضحت البلدية أن المبنى بات لا يلبي احتياجات مدينة يقترب عدد سكانها من مليون نسمة، وأن الخدمات البلدية ستُنقل إلى مقر جديد أكثر حداثة.
وأشارت إلى أن الموقع الحالي الذي يقع في قلب السوق التجاري، سيُستثمر في إنشاء مشروع تجاري، مثل برج أو مركز تسوق، وتُستخدم عائداته في تمويل الخدمات العامة.
وأكدت البلدية أن المبنى غير مسجل رسمياً ضمن قائمة الأبنية الأثرية المحمية، لكنها شددت في الوقت ذاته على الحفاظ على اللوحة التأسيسية الحجرية التي عُثر عليها، وعرضها في متحف أو داخل مبنى البلدية الجديد.
في المقابل، طالبت 21 منظمة وجمعية مدنية وحقوقية في بيان مشترك بوقف الهدم فوراً، واعتبرت أن" المبنى يمثل جزءاً من الهوية الثقافية والعمرانية للقامشلي، وتعني إزالته محو أحد أبرز الشواهد على تاريخ المدينة".
كما أبدت المنظمة الآشورية الديمقراطية في سورية قلقها البالغ من القرار، وأكدت أن المبنى يمثل إرثاً مشتركاً لجميع مكونات القامشلي من عرب وأكراد وسريان وآشوريين وأرمن، وقالت في بيان: " تتزامن إزالة المبنى مع اقتراب مئوية تأسيس القامشلي، وهي مناسبة كان يفترض أن تشكل فرصة للحفاظ على معالمها التاريخية وليس إزالتها".
وطالبت المنظمة بفتح تحقيق مستقل وشفاف حول ملابسات قرار الهدم وآليات تنفيذه، ودعت إلى إشراك خبراء الآثار والتراث والمجتمع المحلي في أي قرارات تخص المواقع التاريخية، وحمّلت الجهات التي أصدرت القرار ونفذته المسؤولية القانونية والأخلاقية.
ودخل الفريق الرئاسي السوري المكلف تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير على خط الأزمة، وأصدر بياناً دان أعمال الهدم التي اعتبرها" اعتداءً على الأملاك العامة والإرث التاريخي.
وشدد على أن هذه الممتلكات تعود لجميع السوريين، مطالباً المؤسسات التابعة لـ" قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي لم تستكمل إجراءات الاندماج مع مؤسسات الدولة، بـ" التوقف عن فرض أي وقائع آحادية على الأرض".
كما دعا الفريق الحكومي المواطنين والمستثمرين إلى عدم الدخول في أي تعاقدات أو عمليات بيع وشراء تتعلق بالعقار، وأكدت أن جميع الإجراءات ستخضع للمراجعة القانونية بعد استكمال ترتيبات الدمج.
في المقابل، أصدرت رئاسة بلدية القامشلي بياناً أكدت فيه أن جميع إجراءات الهدم قانونية، وأن الحكومة السورية على اطلاع عليها.
واعتبرت أن العملية تندرج ضمن التفاهمات المتعلقة بملف دمج المؤسسات، وهو ما لم يصدر في شأنه تأكيد رسمي من دمشق.
وقال الإعلامي جان علي، وهو من سكان القامشلي، لـ" العربي الجديد": " لا تتعلق القضية فقط بهدم مبنى قديم، بل تطرح أسئلة قانونية حول مستقبل المشروع الاستثماري المزمع إنشاؤه في الموقع.
وإذا أُقيم مكان المبنى مشروع تجاري، فما الوثائق القانونية التي سيستند إليها المقاول أو المتعهد لبيع المحلات والمكاتب؟ وماذا سيحدث إذا استعادت الحكومة السورية إدارة العقار مستقبلاً واعتبرت عمليات البيع غير قانونية؟ من سيتحمل خسائر المواطنين؟ ".
وأشار إلى" وجود مسألة أخرى تحتاج إلى توضيح قانوني، تتعلق بملكية أرض العقار وارتباطها بأوقاف الطائفة اليهودية، في ظل مطالبات باستعادة ممتلكات تعود ليهود سورية، ما يستوجب توضيح الوضع القانوني للأرض قبل البدء في أي مشروع استثماري".
وقال عثمان الأحمد، أحد سكان القامشلي، لـ" العربي الجديد": " أدمى هذا الحدث قلب كل شخص ينتمي فعلياً إلى مدينة القامشلي، ونطالب الحكومة السورية بإيقاف الهدم وإعادة بناء المبنى بالشكل ذاته والحجارة نفسها حفاظاً على الهوية المعمارية للمدينة.
ما جرى يأتي ضمن سلسلة تغييرات طاولت معالم تاريخية أخرى، من بينها إزالة أجزاء من حديقة بلودان، واقتلاع أشجار معمرة يزيد عمرها عن تسعين عاماً، وهدم منازل تاريخية، إضافة إلى تداول معلومات عن مشاريع تستهدف مباني تاريخية أخرى، ويشكل ذلك خطة ممنهجة لإزالة رموز المدينة وتغيير ذاكرتها التاريخية مقابل استمرار تدهور البنى التحتية والخدمات".
ويعود تاريخ إنشاء مبنى بلدية القامشلي إلى عام 1935، في عهد أول رئيس للجمهورية محمد علي العابد، وظل طوال عقود أحد أبرز المباني الإدارية والمعمارية المرتبطة بتاريخ المدينة وتطورها.
ومع اقتراب مرور مائة عام على تأسيس القامشلي، تحوّل هدم المبنى إلى قضية تتجاوز الجدل العمراني لتطرح أسئلة أوسع حول حماية التراث، والشرعية القانونية، ومستقبل الذاكرة المعمارية للمدينة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك