سألتني صديقة من صديقاتي على منصّة فيسبوك، في تعليقها حول منشور لي عن شاطئ بلمورال في سيدني، أُبيّن فيه جمال الطبيعة وكونها في متناول الناس، ما يلي: " رغم جمال الطبيعة في سيدني، أودّ أنْ أسألك كم مرّة تفكّر في وطنك الأمّ؟ ".
أجبتها: أنا يا عزيزتي لست بحاجة لـ" أفكّر" في وطني الأمّ.
" وطني الأمّ" جزء من كياني يطوف معي في رحلة الوجدان والجغرافيا على حدّ سواء.
أنا دمشقيّ المولد لأب دمشقيّ وأمّ لبنانيّة.
لذلك يمكنك القول إنّ وطني الأمّ هو سورية الطبيعيّة، خصوصًا أنّ معظم معارفي من الفلسطينيّين.
عشت في دمشق وبيروت واللاذقيّة وإنكلترا وملبورن والآن في سيدني.
أؤمن بالاختيار الحرّ، أكثر من إيماني بالولادة أو الوراثة اللتين لا حيلة لي فيهما.
أنا إنسانيّ علميّ عالميّ.
وطني الأمّ وغيره من الأماكن التي مارست عشقها، كلّها أوطاني.
هنالك أماكن زرتها لأيّام، وأفكّر فيها دائماً كوطن وجدانيّ.
أحنّ إلى سيدني وأنا في سيدني.
في أصولي كثير ممّا أفتخر به ويشرّفني، لكنّي لا أنحاز إلى أصولي ولا" أعتنقها" اعتناقاًالعشق عندي حالة ماديّة فكريّة في الوقت عينه.
أنا لست كغيري ممّن يتركون وطنهم الأمّ ويمضون حياتهم تفكيرًا وبكاءً عليه.
لو كان الأمر كذلك ما تركته أصلًا.
لم أكن مُضطرًّا لتركه.
وحين تركته، كنت أعلم أنّني لن أعود.
أنا لا أعتبر نفسي مُغتربًا أبدًا.
حيث أنا: أخلق لنفسي موطنًا.
وأدبي ليس أدبًا اغترابيًّا.
حين أكتب بالعربيّة، فلأنّني ابنها ولأنّني أعشقها وأريد أنْ أساهم في الحفاظ عليها، وهي واحدة من أجمل وأقوى لغات العالم.
وحين أكتب بالإنكليزيّة، فلأنّها الشقّ الثاني من ثقافتي، وهي أهمّ لغة للتواصل في العالم.
وأنا شخصيًّا أجدها لغة جميلة ثاقبة بمصطلحاتها وتعابيرها الأدبيّة الجزلة.
وفي عملي بين اللغتين، حاولت ما أمكن الإسهام في التواصل الحضاريّ الذي هو أساس للحفاظ على فوائد العولمة التي يجب أنْ تصون خصوصيّة المجتمعات واللغات لا أنْ تلغيها.
أيْ يجب أنْ تقوى بها، وإلّا يكون الانهيار طريقها برأيي.
في أصولي كثير ممّا أفتخر به ويشرّفني، لكنّي لا أنحاز إلى أصولي ولا" أعتنقها" اعتناقًا.
لا أدّعي أنّني الأفضل، بل مجرّد أنّني مختلف.
الجذور ليست مسألة ثانويّة، بل قضيّة أساس، لكنْ يجب التعامل معها على قدر حجمها وفهم حدودها وفائدتهامرساتي الحقيقيّة ليست مغروسة في الماضي.
صحيح أنّ من خامتها جزءًا هامًّا من ذلك الماضي وكذلك من الحاضر، ولكنّني دائمًا ألقيها نحو المستقبل.
وحين تحين الساعة التي لن تكون لي فيها حيلة أيضًا، سيجد الموت هذه المرساة مُستسلمة له بكلّ الواقعيّة التي تفرضها هيبته، رغم أنّها كانت دائمًا تغزل نسيجها من أجل الحياة والحبّ والسلام والسعادة.
عقّبت الصديقة قائلة: " قد انتصرتَ على الجذور، وجعلتها مسألة ثانويّة في حياتك.
دخلت العولمة إلى أعماقك فاتّسعت مساحة أوطانك.
من يقرأ نصوصك يشعر بإحساسك بالسعادة والرضا.
أتمنّى لك دوام السعادة وطول العمر والصّحة.
وشكراً لجوابك".
شكرًا يا من أعتبرك صديقة وفاء، لأنّ تعليقاتك تحرّض على الفكر والكتابة.
هذا برأيي من سموّ الحكمة.
إنْ كان هناك انتصار فهو المقدرة على النظرة التكامليّة في الحياة (هذه فلسفتي ونشرت عن ذلك عدّة مرّات).
الجذور ليست مسألة ثانويّة، بل قضيّة أساس، لكنْ يجب التعامل معها على قدر حجمها وفهم حدودها وفائدتها، واستغلالها في مدّ المزيد من أغصان الانفتاح على الحياة.
أنا أعلم أنّ هذا ما تقصدين أيضًا، لكنْ من واجبي إيضاح ما أنا عليه تمامًا.
العولمة أمرّ حاصل منذ الأزل، ولكنّه الآن صار واضحًا سريعًا.
نشرتُ مرّة أنّ العولمة في عصورنا الحديثة اتضحت حين خلع والدي طربوشه العثمانيّ، ثم استخدم القبّعة الروسيّة، وفي النهاية لم يجد مانعًا من ارتداء" البرنيطة" الغربيّة.
أيْ هنالك حركيّة وتبدّلات مستمرّة، لكنّ" العولمة" واحدة من حيث المبدأ.
الانتصار هو المقدرة على الاحتفاء بالحزن والسعادة معاً، واستمرار التعلّم من التجارب إيجابياًالعولمة تستمدّ نشاطها الأكبر اليوم من تطوّر وسائل التواصل.
المهمّ أنْ نحاول أنْ نُغْني العولمة بتراثنا وجذورنا وثقافتنا وعلمنا.
الانتصار في النهاية ليس للعولمة، بل لمن استطاع ركوبها ليفرض ذاته فيها، فلا يُسقط عن مطيّتها التي تحمل الملايين من غيره.
مع الأسف أنّ العولمة اليوم مستعمرة من قبل الإمبرياليّة المهيمنة، لكنّ هذا لن يدوم طويلًا برأيي.
من أهمّ طرائق تفكيركِ حسب ما استنتجت من كثير من منشوراتك هو أنّك تميلين إلى استكشاف الإيجابيّات في ما تقرأين.
هذه مزيّة هامّة لمن يأتي مثلنا من ثقافة العدم والحزن والهزيمة.
وهذه من أهمّ الوسائل التي أستعملُها في الاستمرار في دوام الرضا والامتنان الذي أنا عليه.
أمّا الأحزان والانكسارت فهي كثيرة، لكنّني أحملها ندبًا على روح مليئة بالنجاحات والنعم والأمل المستديم.
الانتصار هو المقدرة على الاحتفاء بالحزن والسعادة معًا، واستمرار التعلّم من التجارب إيجابيًّا.
الانتصار هو الابتسام والبكاء النبيل، وليس الضحك الفاجر أو العويل الفارغ.
أبْتَسمُ كثيرًا للنعم التي أنا فيها، وأبكي كثيرًا على ما نسبّبه من دمار حياة الآخرين وأوطانهم.
أنا فرح جدًّا وحزين جدًّا يا صديقتي، لكنّني أملك إحساسًا كبيرًا بالسعادة والرضا، كما تقولين.
شكرًا لمشاركتك الكريمة، وأنا أتمنّى لك الحبّ والسلام والسعادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك