في مشهد يحمل دلالات واسعة، بات إيمانويل ماكرون أول رئيس من دول الاتحاد الأوروبي يزور دمشق منذ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا قبل عامين.
زيارة تعكس تحولًا في المقاربة الفرنسية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات بعد سنوات من القطيعة والعزلة.
الزيارة لم تقتصر على الرمزية السياسية، بل أسفرت عن اتفاق البلدين على إعادة تعيين سفيريهما بعد أكثر من عقد، في خطوة تعيد قنوات التواصل الدبلوماسي المباشر، كما حملت الزيارة رسائل تؤكد اتجاها فرنسيا نحو الانخراط مع الإدارة السورية الجديدة.
اقتصاديا، بدت المصالح حاضرة بقوة، فقد أعلنت باريس بدء إجراءات إعادة واحد وخمسين مليون يورو من الأموال المصادرة من نظام الأسد إلى الدولة السورية، إلى جانب تقديم دعم فني لمصرف سوريا المركزي.
كما أعلنت عن تشكيل لجان اقتصادية مشتركة لدعم إعادة الإعمار، مع تأكيد مشاركة الشركات الفرنسية في قطاعات الطاقة والمصارف والنقل والخدمات اللوجستية.
كما شهدت الزيارة بحسب تصريحات سورية، توقيع أكثر من 16 اتفاقية استراتيجية بين الجانبين، شملت قطاعات حيوية مختلفة، بالتوازي مع إبرام مجموعة «سي إم إيه سي جي إم» الفرنسية اتفاقات جديدة في قطاع النقل والشحن، بما يعكس رغبة باريس في ترسيخ حضور اقتصادي طويل الأمد داخل السوق السورية.
وفي بعد يتجاوز السياسة والاقتصاد، أعادت فرنسا إلى سوريا 23 قطعة أثرية كانت قد استعارتها قبل 15 عاما، في خطوة تحمل دلالة ثقافية ورمزية، وتؤكد أن مسار التقارب يمتد إلى التعاون الحضاري وحماية الإرث الثقافي.
تتجاوز أهمية الزيارة حدود العلاقات الثنائية، إذ ينظر إليها باعتبارها اختبارا لاتجاه أوروبي جديد تجاه سوريا، فكون باريس أول عاصمة أوروبية ترسل رئيسها إلى دمشق بعد سقوط النظام السابق قد يشجع دولا غربية أخرى على إعادة تقييم سياساتها، خاصة مع تصاعد الحاجة إلى الانخراط في ملفات إعادة الإعمار والاستقرار، ومواجهة تحديات الأمن والهجرة والطاقة في المنطقة.
وبين إعادة العلاقات الدبلوماسية، واستعادة الأموال والأثار، وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية، تبدو العلاقات السورية الفرنسية أمام صفحة جديدة عنوانها المصالح المتبادلة، غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية إلى شراكات عملية، وبمدى استعداد الغرب للسير خلف باريس في إعادة رسم علاقته مع دمشق خلال المرحلة المقبلة.
حول هذا الموضوع، دارت نقاشات الجزء الأول من حلقة اليوم الثلاثاء ببرنامج «مدار الغد»، وفيه تحدث من دمشق، الكاتب والباحث السياسي، عبد الكريم العمر، ومن باريس، الباحث في الفلسفة السياسية بجامعة باريس، الدكتور رامي الخليفة العلي.
بعد زيارة ماكرون.
لماذا تراهن فرنسا على سوريا الآن؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك