باستثناء زيارة قام بها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي إلى دمشق مطلع نيسان/ أبريل الماضي وتناولت ملف التعاون الغذائي السوري ـ الأوكراني أساساً، سجّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سابقة ثانية لصالح عودة الدبلوماسية الفرنسية إلى المشرق والعالم العربي عموماً عبر بوابة دمشق وسوريا الجديدة.
وكما هو معروف، كان ماكرون أول رئيس لدولة غربية وأوروبية كبرى يبادر إلى دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع لزيارة باريس، في أيار/ مايو 2025، فدشن بذلك رؤية فرنسية سياسية واقتصادية لا تقتصر على فرنسا وحدها، بل تقترح قدوة لدول الاتحاد الأوروبي والقوى الاستثمارية العالمية إجمالاً.
كذلك كانت فرنسا أول قوة أوروبية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي تدعو إلى رفع العقوبات الاقتصادية، التي كانت تثقل كاهل الشعب السوري أكثر بكثير مما كانت تضعف نظام بشار الأسد.
وبالأمس أكمل ماكرون المبادرة بزيارة دمشق للمرة الأولى من رئيس فرنسي منذ 17 عاماً، فلم تقتصر رمزيات خطوته على تاريخ طويل حافل جمع البلدين، وانطوى على استعمار انتدابي ومساع لتقسيم البلد إلى دويلات مناطقية ومذهبية، مثلما شهد مراحل قطيعة مع النظام البائد وتضامن مع انتفاضة الشعب السوري.
وليست خارج المعادلات الاستراتيجية لزيارة ماكرون أن فرنسا عضو مؤسس في مجموعة السبع واحتضنت قمتها الأخيرة، ولعبت وتلعب سلسلة أدوار سياسية واقتصادية ودبلوماسية لخفض التوتر في المنطقة.
لا تُغفَل كذلك حقيقة أن العلاقة مع «قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد» كانت واحدة من رهانات باريس على الأوضاع الداخلية السورية خلال السنوات التي سبقت انهيار نظام الأسد، وبالتالي فإن إغلاق هذا الملف من جانب إدارة ترامب تحديداً دفع الدبلوماسية الفرنسية إلى تبصّر أكثر عقلانية في موازين الانفتاح على سلطة الشرع الانتقالية.
ولم يكن بغير دلالة صريحة ومبكرة أن وزير الخارجية الفرنسي كان أول مسؤول دبلوماسي غربي رفيع يزور دمشق، صحبة وزيرة الخارجية الألمانية، في آذار/ مارس 2025 بعد أسابيع قليلة أعقبت فرار بشار الأسد.
وليس مفاجئاً أن تكون طائرة الرئيس الفرنسي غاصة بكبار مدراء القطاعات الصناعية والاقتصادية والمالية، وأبرز رجال الأعمال وممثلي شركات الإنتاج والاستثمار الحكومية والخاصة في فرنسا، وأن تُوقّع سلسلة من الاتفاقيات الثنائية في ميادين عديدة متنوعة لا تبدأ من النفط والغاز والبنى التحتية والسكك والنقل الجوي، ولا تنتهي عند الطاقة المتجددة والصحة والصناعات الدوائية والاتصالات، والتكنولوجيا الذكية والسياحة.
لم يكن خارجاً عن الروحية الثقافية للزيارة أن الطائرة الرئاسية الفرنسية أعادت إلى سوريا 23 قطعة أثرية كانت فرنسا قد استعارتها من المتاحف السورية، وبقيت حبيسة «معهد العالم العربي» في باريس طيلة 15 سنة.
وبقدر ما حملت زيارة ماكرون من «عبوات» جيو ـ سياسية واقتصادية واستثمارية استراتيجية، فإنها ترافقت أيضاً مع عبوات ناسفة فعلية تفجرت في حاويات القمامة، لكن أضرارها كانت تستهدف استقرار سوريا ونهوضها، وبالتالي فإن الأصابع خلفها تتلاقى عند هذا الهدف، سواء انتمت إلى فلول النظام البائد أو «تنظيم الدولة» أو تيارات التطرف الأعمى هنا وهناك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك