يمضي الإنسان في دروب العمرحاملاً قنديلاً من الإيمانويقول كلمته مزهوّاً كأنّه رسولُ محبّةٍثم يواصل السير نحو ملكوت الروحغير ملتفتٍ إلى ضجيج العابرين.
يا امرأةً تتسلّل من كوّة الريح لتستحمّ في نهر النجومأشعر أنّ الأرض تتلاشى من تحت قدميوأنّ السماء تهبط لتلامس جبينيفأبقى معلّقاً بين الحلم واليقظةكغصنٍ أخضرَ يتأرجح فوق نبعٍ من الضوء.
أنّ الدين الحق ليس ما يُقال على المنابربل ذلك النور الذي يشعل في القلوبويجعل الإنسان يفتح ذراعيه للعالمكما تفتح الحقول العطشى أذرعها للأمطاروكما يوزّع الربيع عطوره على الوديان دون تمييز.
ذلك الطائر الصغير المستقرّ فوق كتفيأراه يحلّق كل يوم في فضاءات المستقبلويغرس في تربة الغد بذور الأحلام الكبرىفي ملامحه يتجلّى حبّ الوطنأشدّ لمعاناً من شلالات النوروأشدّ نقاءً من صلاةٍ صاعدةٍوحين أتأمّل أسراب العصافيروهي تستحمّ عاريةً في أنهار الجليدوتغلق نوافذ الريح لتغفو على أراجيح الأغصانأدرك أنّ الحياة ما زالت تحفظ في أعماقهاتحوّلت السماء أمام عينيّ إلى صفحةٍ مثقلةٍ بالدماءأرفع رأسي نحو الأعالي فأراها محقونةً بالجراحوتشتعل في عروقي نار الأسئلةثم يتبخّر وجعي شعاعاً يصعد نحو الغيبأقرأ باسم تلك المرأة التي كانت تتفتّح كل صباحكزهرةٍ مبلّلةٍ بندى الفجرثم باغتها الموت وهي تسير في جنازة ابنهاذلك الابن الذي لم يولد بعدكأنّ القدر أراد أن يعلّمنا أنّ بعض الأحزانوأمضي في رحلتي بين أطلال بابلأبحث عن صورة جدّي المضاءة تحت ركام النسيانأراه واقفاً هناك شامخاً كالسنديانة الفارهةمرتدياً رداءً مطرّزاً بنقوش التاريخيمشي في شارع الموكب بخطوات الملوكوترمقه فتيات أوروك بحسرةٍ ممزوجةٍ بالإعجابكأنّهن يشاهدن آخر فرسان الأساطيرليعلن أنّ مجازر الشعب الآشوري لم تكن مجرّد حوادث عابرةبل جراحاً محفورةً بالحبر المقدّس في ذاكرة الآلهةفلا النسيان قادرٌ على محوهاولا السنين قادرةٌ على طمس آثارهالأنّ دماء الأبرياء تظلّ تنبت أزهاراًذلك الذي شيّد بعقله قصراً في السماءيصعد عليه الباحثون عن النورلقد أدرك أنّ البناء الحقيقي لا يُقام بالحجارةوأنّ الإنسان حين يزرع المعرفة في أرض الروحيترك وراءه مملكةً أوسع من حدود العالم.
وفي تلك الكنائس المهجورة التي كانت يوماً تعجّ بالتراتيلما زالت آثار قبلات المؤمنين تتلألأ على الصلبان العتيقةلكنّ الذين تكلّموا باسم اللهدنّسوا المقدّسات ودكّوا الجدرانونثروا الرماد فوق المذابحفظلّت الحجارة تبكي في صمتٍ نبيل.
ومن ذاكرة النهر الحزين تساقطت أوراق النسيانوتوارت أسراب الطيور خلف تخوم الليلكأنّها تخشى أن ترى ما حلّ بالأرض التي أحبّتها.
فكلّ من صُلِب على جلجلة الوطنوكلّ من حمل جراح شعبه وسار بها نحو الضوءفي ذاكرة الأجيال وفي ضمير التاريخوفي أناشيد العائدين من المنافيفقد ترصّدت نكبات شعبي قبل أن أبصر النوركنتُ أصغي إليها من وراء جدران الرحموأشعر بظلّها يتمدّد فوق أحلاميحين فتحتُ عينيّ على العالمبل رأيتُ في داخلي وجوه الآباء والأجدادحملتُ شعبي في قلبي وذاكرتيكما تحمل الأم طفلها الوحيدكما يحمل المؤمن صلاته الأخيرة.
لأنّ الأوطان لا تموت حين تُهزم جيوشهابل تموت حين يتخلّى أبناؤها عن الحلمفسنبقى نحلم ونزرع الضوء في العتمةونشعل القناديل في وجه الريحإلى أن ينهض الفجر من جديدوتعود الأنهار إلى غنائها الأولويعود الإنسان إلى إنسانيته الأولىويعود الوطن.
وطناً للجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك