اشتهر الكاتب البريطاني آرثر كونان دويل، الذى تمر ذكرى رحيله فى مثل هذه الأيام إذ رحل فى 7 يوليو من عام 1930م، بابتكار شخصية المحقق الأشهر شرلوك هولمز، إلا أن سنواته الأخيرة ارتبطت بقضية مختلفة تمامًا، إذ كرّس جزءًا كبيرًا من حياته للبحث عن أدلة تثبت وجود حياة بعد الموت، متأثرًا بسلسلة من المآسي العائلية التي عاشها خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها.
لم تكن الحرب العالمية الأولى مجرد حدث سياسي بالنسبة لدويل، بل تركت آثارًا شخصية عميقة في حياته، فقد خسر شقيق زوجته مالكولم ليكي عام 1914، كما فقدت صديقة أسرته المقربة ليلي لودر سايموند ثلاثة من أشقائها، وأصيب اثنان من أبناء شقيقتيه بجروح خطيرة، بينما قُتل صهره ليسلي أولدهام في أول يوم له على الجبهة.
ثم جاءت الضربة الأقسى بوفاة ابنه الأكبر كينجسلي عام 1918، بعدما أضعفته إصابة تعرّض لها في الحرب قبل أن يفتك به وباء الإنفلونزا الإسبانية، ولحق به بعد سنوات شقيقه إينيس دويل الذي توفي بالمرض نفسه.
هذه الخسائر المتتالية دفعت دويل إلى إعادة التفكير في معنى الحياة والموت، وأثارت لديه سؤالًا ظل يطارده: هل يمكن أن تنتهي كل هذه التضحيات إلى العدم؟من الشك إلى الإيمان بالروحانيةكان دويل في شبابه يميل إلى الفكر المادي، ولم يكن متحمسًا للمعتقدات الدينية التقليدية، لكن المآسي التي عاشها غيّرت قناعاته تدريجيًا، فوجد عزاءه في الروحانية، وهي حركة تؤمن بإمكانية التواصل مع أرواح الموتى عبر وسطاء روحانيين، وأصبح مقتنعًا بأن الموت ليس نهاية الحياة، بل انتقال إلى عالم آخر.
كتب للدفاع عن عالم الأرواحلم يكتف دويل بالإيمان الشخصي، بل سعى إلى إقناع الآخرين بما يعتقده، فألقى محاضرات في أوروبا وأمريكا، وأصدر عددًا من الكتب أبرزها «تاريخ مذهب تحضير الأرواح» (The History of Spiritualism)، الذي عرض فيه تاريخ الحركة الروحانية وتجاربها.
كما نشر كتاب «حافة المجهول» (The Edge of the Unknown)، وتناول فيه عددًا من الوقائع التي اعتبرها أدلة على وجود عالم الأرواح، وروى فيه قصصًا عن جلسات تحضير الأرواح والوسطاء الروحانيين.
بلغ اقتناع دويل بالظواهر الخارقة حد تصديقه لقصة جنيات كوتنجلي الشهيرة، وهي صور التقطتها فتاتان إنجليزيتان عام 1917 وادعتا أنها تُظهر جنيات حقيقية.
ورغم تشكيك كثيرين في صحة الصور، دافع دويل عنها، وأصدر كتابًا بعنوان «الجنيات قادمات» (The Coming of the Fairies)، اعتبر فيه أن تلك الصور تمثل دليلًا على وجود كائنات غير مرئية لا يراها إلا أشخاص محددون.
ومن أشهر محطات هذه المرحلة، صداقته مع الساحر الأمريكي هاري هوديني، التي انتهت بخلاف حاد، فبينما كان دويل مقتنعًا بأن بعض الوسطاء يمتلكون بالفعل قدرات خارقة، كان هوديني يؤكد أن معظم جلسات تحضير الأرواح تعتمد على الخداع البصري والحيل المسرحية، وهو ما أدى في النهاية إلى انهيار العلاقة بينهما.
وجه آخر لمبدع شرلوك هولمزورغم أن اسم آرثر كونان دويل ارتبط في الذاكرة الأدبية بشرلوك هولمز ومنطقه العلمي الصارم، فإن حياته الشخصية في سنواتها الأخيرة كشفت جانبًا مختلفًا؛ فقد تحول من كاتب يحتفي بالعقل والمنطق إلى باحث عن إجابات روحية، مؤمنًا بأن هناك عالمًا آخر يمتد بعد الموت، وظل يدافع عن هذه القناعة حتى وفاته عام 1930.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك