يعيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إحياء مفاهيم الحرب الباردة وحقبة التنافس مع الأنظمة الشيوعية، بتحذيره من الخطر" الأحمر" الذي يمثّله الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية التي يسعى الجمهوريون ألا يخسروا خلالها، سيطرتهم بفارق ضئيل على الكونغرس.
ويحظى هذا الخطاب بمساحة متزايدة في السياسة الأميركية، وانتقل من تصريحات ترمب إلى الحملة الانتخابية للجمهوريين، في أسلوب بات يذكّر بالحملات المناهضة للشيوعية في خمسينيات القرن الماضي حين انقسم العالم بين معسكرين، ليبرالي تقوده الولايات المتحدة، وشيوعي اشتراكي على رأسه الاتحاد السوفياتي.
وعزز الجمهوريون هذا التوجه بعد تفوق التيار الاشتراكي الديمقراطي في انتخابات تمهيدية بنيويورك وكولورادو.
ووصل الأمر بهم إلى إضفاء صبغة وجودية على المعركة، مع تصوير الانتخابات المقررة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أنها صراع بين" الحس السليم" الجمهوري، والتطرف اليساري الديمقراطي.
وخلال كلماته في عطلة نهاية الأسبوع في مناسبة الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة، حذر ترمب من" خطر" شيوعي يجب استئصاله" مثل السرطان".
وفي مؤتمر ديني عقد أخيراً، اتهم اليساريين الديمقراطيين بأنهم" شيوعيون متشددون لا يؤمنون بالله"، ويريدون" تدمير أسلوب الحياة التقليدي الأميركي بشكل كامل".
ويعكس هذا الخطاب استراتيجية الجمهوريين للانتخابات المقبلة، مع خشيتهم من تكبد هزائم سياسية جراء التضخم وارتفاع كلفة المعيشة والحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.
إلا أن هذا الخطاب لا يميز بين الاشتراكية الديمقراطية التي تعمل تحت إطار الانتخابات واقتصاد السوق، والنظم الشيوعية القائمة على التخطيط المركزي وحكم الحزب الواحد وإلغاء الملكية الخاصة للصناعات الكبرى.
ويرى محللون أن الحزب الجمهوري يسعى إلى تحويل الانتخابات من استفتاء على ترمب في منتصف ولايته الثانية والأخيرة، إلى خيار بين أيديولوجيتين، مستخدماً صعود أقصى اليسار، لتصوير جميع الديمقراطيين على أنهم راديكاليون.
ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة تافتس بولاية ماساتشوستس، دانيال دريزنر، " ينظر كثير من الناخبين، خصوصاً المستقلين، إلى حزب ترمب (الجمهوري) على أنه متطرف في سياساته"، ويضيف" إحدى الوسائل لمعالجة ذلك قبل انتخابات منتصف الولاية، هي تصوير الحزب المعارض (الديمقراطي) على أنه أكثر تطرفاً".
وأفادت صحيفة" واشنطن بوست" بأن حلفاء ترمب زادوا بشكل حاد من استخدامهم كلمتي" شيوعي" و" شيوعية" عبر الإنترنت، مع ارتفاع متوسط عدد مرات ذكرهما أسبوعياً بنسبة 43 في المئة، مقارنة بعام 2025.
وأثار تفوق التيار اليساري المتطرف في انتخابات تمهيدية، قلق الحزبين الديمقراطي والجمهوري على السواء، لكنه وفر للأخير سلاح هجوم فعالاً في معركة السيطرة على الكونغرس.
مازح ريك ستينغل، وهو مسؤول سابق في إدارة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، بالقول إن تصريحات ترمب في عيد الاستقلال أوحت كأن البيت الأبيض قد" اكتشف خطاباً لجوزيف مكارثي في الرابع من يوليو (تموز) عام 1952".
وقاد السيناتور مكارثي في خمسينيات القرن الـ20، حملة ضد ما زُعم أنه تسلل سوفياتي بعد الحرب العالمية، مما أدى إلى إنهاء مسيرات مهنية لشخصيات عدة، وجعل من كلمة" شيوعي"، أحد أقوى الاتهامات في السياسة الأميركية.
ويقول مستشار التواصل الذي عَمِل في حملتي الرئيس السابق باراك أوباما الرئاسيتين، سبنسر كريتشلي، إن التيار اليساري استقطب كثيراً من الشيوعيين، إضافة إلى تنامي دعم الشباب الأميركيين، وإن بشكل خجول، للتوجهات الاشتراكية.
ويضيف، " لذلك، وعلى رغم أن الحزب الديمقراطي ليس شيوعياً بأي حال من الأحوال، بات سهلاً على ترمب ومن يدعمونه الترويج لكذبة كهذه".
ويرى آخرون أن وسم" اشتراكي ديمقراطي" لم يعد يقلق الناخبين كما كانت الحال سابقاً، خصوصاً الشباب الذين كبروا بعد الحرب الباردة.
ويرى براد تشيس، وهو استراتيجي مخضرم في مجال التواصل وإدارة الأزمات، أن تركيز ترمب على الشيوعية يمثل خطوة ناقصة في الخطاب السياسي.
ويقول" لم تعد الشيوعية مفردة تلقى صدى على الإطلاق" لدى الأميركيين دون الـ50.
في المقابل، يرى الديمقراطيون في هجوم ترمب والجمهوريين، محاولة لحرف الأنظار عن الهموم الاقتصادية للأميركيين، ونقاط ضعف الرئيس الأميركي نفسه.
ويقول المعلق السياسي التقدمي توم هارتمان" ما جعل ترمب يعود إلى كارل ماركس.
هو أن ليس لديه ما يقوله لشاب في الـ28 غير قادر على دفع الإيجار"، مضيفاً أن" الأثرياء الذين يمولون حزبه، يؤثِرون الحديث عن ماركس بدلاً من الحديث عمن سلب فعلاً مستقبل هذا الشاب".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك