المؤكّد أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما من خاضتا تلك الحرب العسكرية المجنونة ضد إيران نهاية فبراير/شباط الماضي، وأن معظم دول العالم، بما فيها دول الخليج التي كانت هدفاً للصواريخ والمسيرات الإيرانية، رفضت الحرب التي أضرّت بالاقتصاد الدولي والأسواق والمستهلكين حول العالم.
ولم يخرج أحد رابح منها، بل خرج الجميع خاسراً اقتصادياً ومالياً ومعيشياً ونفسياً ومجتمعياً، وكان في مقدمة الخاسرين: الأطراف المتحاربة نفسها، إضافة إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا، خاصة تلك الدول المستهلكة للطاقة ومشتقات الوقود والأغذية بكثافة.
والمؤكد أيضاً أن إيران فقدت العديد من أوراق الضغط التي كانت تحوزها قبل الحرب واستخدمتها لاحقاً خلال العملية العسكرية في مواجهة الطرفين المتحاربين، الولايات المتحدة وإسرائيل، وأنها ضعفت عسكرياً واقتصادياً ومالياً، إذ تهاوت العملة المحلية، وتوقفت صادرات النفط والغاز، وألحقت الحرب أضراراً ضخمة وجسيمة ببنيتها التحتية وقطاع الطاقة والصادرات والخدمات والسياحة.
لكن الورقة القوية التي لا تزال تملكها إيران وتستخدمها بمهارة هي ورقة مضيق هرمز؛ شريان الطاقة العالمي، الذي يُصدّر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمي، كما أنه نقطة المرور الوحيدة للغاز المسال القطري، والذي أدى توقف تدفقه عقب اندلاع الحرب إلى حدوث أزمة طاقة عالمية حادة، واندلاع اضطرابات عنيفة في أسواق الوقود الأزرق، واشتعال فوري للأسعار في الأسواق الدولية.
فرغم وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن قبل ثلاثة أسابيع والاتفاق على فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة الدولية، فإن إيران لا تزال تهدد حركة المرور في المضيق مباشرة، سواء عبر استهداف السفن وناقلات النفط المارة في الاتجاهين، أو التلكؤ في إزالة الألغام المزروعة في الممر البحري، والتي لا يعرف أحد عددها وخريطتها سوى الحرس الثوري الإيراني، أو عبر إصرار طهران على فرض رسوم على السفن المارة، وهو الثمن الذي ستدفعه دول وشعوب الدول المستهلكة والمنتجة للطاقة، إذ ستُحمّل تلك الرسوم على المواطن في حال فرضها بما يخالف القانون الدولي.
على المستوى الأول لا تتوقف هجمات إيران على سفن النفط والغاز المارة عبر مضيق هرمز بالصواريخ والطائرات المسيرة، وأحدث مثال ما جرى خلال أخر يومين، فاليوم الثلاثاء أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية ان مقذوفاً مجهولاً أصاب ناقلة النفط أثناء مرورها عبر مضيق هرمز.
ومساء أمس الاثنين، أطلقت إيران صاروخين على سفينتين تجاريتين خليجيتين كانتا تعبران هرمز، وهو ما أدى إلى تعرضهما لأضرار جسيمة، ومن بين السفينتين ناقلة قطرية محملة بالغاز الطبيعي المسال والتي تعرضت لهجوم بمقذوف قرب الساحل العُماني في أثناء خروجها من المضيق، وسفينة نفط سعودية.
الهجوم الإيراني الأخير لا يعد الأول من نوعه، فقد سبق أن هاجمت طهران أكثر من 22 سفينة تجارية وفق بيانات الأمن البحري وتقارير تتبع حركة الملاحة، وواصلت الهجوم حتى بعد توقيع اتفاق وقف النار بين طهران وواشنطن منتصف يونيو/حزيران الماضي، وهو ما يثير قلق أسواق الطاقة العالمية، ويربك حركة الشحن والتجارة في الممر المائي الحساس، ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
كما جرى اليوم وأمس حيث قفزت أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية فوراً بنسبة 4% لتصل إلى 52 دولاراً لكل ميغاواط/ساعة، كذلك زاد سعر النفط بعد أن عاد العديد من ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال أدراجها، فيما فضّلت شركات شحن أخرى تغيير مسارها إلى طرق أطول وأكثر كلفة لتجنب المنطقة الخطرة.
إيران بهذا الاستهداف المتلاحق للسفن في مضيق هرمز لا تُعاقب الولايات المتحدة وحدها، بل تُعاقب العالم كله، عبر الضغط بشدة على أسواق الطاقة وسلاسل التوريد، وفتح الباب أمام موجات تضخم وزيادات جديدة في كلفة المعيشة وأسعار السلع الرئيسية، والمتضرر هنا هو المستهلك على مستوى العالم، وليس حكومة دونالد ترامب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك