«طلبتك يمّه لا تتركيني».
عبارة ظل يرددها شاب وهو يحتضن جثمان والدته داخل سيارة نقل الجنائز، كانت من أكثر المواقف تأثيراً في سلسلة قصص إنسانية رواها مغسل الموتى المتطوع يوسف الروقي عبر حسابه في منصة «إكس»، تحت عنوان «مواقف مؤثرة».
«يمّه لا تتركيني».
ابن يحتضن جثمان والدتهروى الروقي أنه عند وصول سيارة نقل الجنائز إلى موقف التنزيل، فُتح باب السيارة فوجد شاباً يقارب عمره الأربعين عاماً مستلقياً بجوار جثمان والدته، يحتضنه ويردد بصوت مرتفع: «طلبتك يمّه… لا تتركيني».
وبعد إنزال الجثمان جلس الابن على ركبتيه عند باب مغسلة النساء، بينما ظل يكرر العبارة نفسها.
وعقّب الروقي: «يا من تكتحل عيناه برؤية والديه، لا تنشغل عن برهما، وإن كان البر لا يتوقف بموتهما، بل قد تكون حاجتهما إلى البر بعد الممات أشد لانقطاع عملهما»، مستشهداً بقول النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
وفي موقف آخر، قال الروقي إنه غسّل شاباً أخبره شقيقه الأكبر أنه تناول إفطاره صباحاً ووقف مستعداً للذهاب إلى عمله، ثم سقط فجأة بسكتة قلبية دون أي مقدمات.
وأضاف أن الموفق هو من يستعد ليوم الرحيل المفاجئ بأقواله وأفعاله، داعياً: «اللهم أصلح فساد قلوبنا، وردنا إليك ردًا جميلاً».
طفل في الثالثة.
خمس دقائق غيّرت كل شيءوروى الروقي أنه غسّل طفلاً في الثالثة من عمره، أخبره والده أنه كان شديد الحرص على ابنه، غير أن والدته انشغلت عنه خمس دقائق فقط وهو يلعب داخل المنزل، فعثرت عليه وقد التف حبل الستارة حول رقبته وفارق الحياة.
وأشار إلى أن والد الطفل كان صابراً محتسباً راضياً بقضاء الله وقدره، مستشهداً بما رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه: «لأن أعضّ على جمرة حتى تبرد أحب إليّ من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن».
كان يخطط لصلاة الفجر… فمات بين يدي شقيقهوغسّل الروقي شاباً في التاسعة والعشرين من عمره، قال شقيقه إنهما كانا يسهران ويتحدثان ويمزحان في الساعة الثالثة فجراً، وكان الفقيد يقول: «بنواصل حتى نصلي الفجر»، ثم مات فجأة بين يديه.
وأوضح شقيقه أنه كان صائماً في رمضان، وأن والدته كانت راضية عنه، وأن أسرته تحرص على الصلاة.
واستشهد الروقي بقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
خرج إلى النوم استعداداً للدوام… ولم يستيقظوفي موقف مشابه، غسّل الروقي شاباً في الثامنة والعشرين من عمره، حاولت والدته إيقاظه للذهاب إلى عمله فلم يستيقظ، رغم تمتعه بصحة جيدة وخلوّه من أي مرض.
وعقّب بقوله: «أنفاسك معدودة»، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾، وبقول عمر بن عبد العزيز: «ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ثم لا يستعدون له».
«المغسلة ليست مكاناً للتفاخر»وسرد الروقي موقفاً آخر حين بدأ أبناء أحد المتوفين بالتعريف بأنفسهم؛ أحدهم طبيب والآخر مستشار، مشيرَين إلى أن والدهما رجل أعمال.
فسألهم: «هل أخذ معه شيئاً من مسمياته أو رصيده، غير العمل الصالح والذكر الطيب والصدقات الجارية؟ »، مؤكداً: «المغسل متطوع للغسيل، والكفن صدقة، والميت مهما كان يملك فكل ذلك أصبح للورثة، ووجودي هنا لغسيل القلوب قبل الأبدان»، مستشهداً بحديث النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر».
عامل بسيط… وقلب عامر بالقرآنوروى الروقي أنه غسّل شاباً أجنبياً في السابعة والعشرين من عمره توفي وفاة طبيعية على فراشه، وقال زميله في السكن إن الفقيد كان يعود من عمله فيبدأ بقراءة القرآن مباشرة، ثم يقوم الليل بعد منتصفه.
وأشار الروقي إلى أن المقياس الحقيقي للناس هو التقوى والصدق مع الله، لا المظاهر والمناصب والأموال.
أم فقدت خمسة من أبنائها… وقالت: «هذه أمانة ورجعت لراعيها»ومن أشد المواقف تأثيراً، استقبل الروقي جثمان شاب توفي في حريق داخل منزله، وأخبره خاله أن والدته امرأة صالحة معروفة بقيام الليل وصيام الأيام البيض، رفضت الزواج بعد وفاة زوجها لتربية أبنائها الستة، ثم فقدت أربعة منهم تباعاً في حوادث مختلفة، وكان هذا الابن هو الخامس.
وحين ذهب الروقي لتعزيتها قائلاً: «أبشري بالخير، واصبري واحتسبي»، كان ردها: «هذه أمانة ورجعت لراعيها».
وقال الروقي: «صارت هي التي تعطيني درساً في الصبر على البلاء، وتسليم الأمر لله، وحسن الظن به».
92 عاماً… ولم يغضب إلا مرة واحدةوغسّل الروقي رجلاً بلغ من العمر 92 عاماً، قال ابنه إنه ظل مؤذناً للمسجد أكثر من خمسين سنة، ولم يغضب داخل بيته طوال حياته إلا مرة واحدة بسبب تأخره عن الأذان.
واستشهد الروقي بحديث النبي ﷺ: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة»، وبحديثه ﷺ: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله».
شاب في الخامسة عشرة… خرج للصلاة على عمته فعاد محمولاًواختتم الروقي مواقفه بقصة فتى في الخامسة عشرة من عمره، كان مسافراً مع والده وأسرته إلى الرياض للصلاة على عمته، فوقع حادث مروري في الطريق أودى بحياته وحده بينما نجا بقية أفراد الأسرة.
وكان الفتى من طلاب حلقات تحفيظ القرآن، حافظاً لأجزاء منه، حريصاً على الصلاة في المسجد.
ودعا الروقي الشباب إلى استثمار مرحلة الشباب في طاعة الله والاستقامة، سائلاً الله أن يجعل ذلك الفتى من الذين ينشؤون في عبادته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك