مع اقتراب انتخابات الكنيست المقبلة، يعود إلى الواجهة النقاش في إمكانية مشاركة حزب عربي في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، في لحظة سياسية شديدة التعقيد وغير مسبوقة في حدّتها وسياقها.
لا يمكن فصل هذا النقاش عن التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة، خصوصاً بعد أكثر من عامين من الحرب على غزّة، وتصاعد العدوان على الضفة الغربية، واستمرار الانتهاكات في لبنان وسورية، إلى جانب سياسات الاستيطان والتمييز العنصري المتصاعدة بحقّ الفلسطينيين، لا سيما في الداخل المحتل.
في هذا السياق، لا تبدو المسألة مجرّد خطوة سياسية تكتيكية أو محاولة لتحصيل مكاسب خدماتية أو مدنية محدودة، بل تطرح أسئلة أعمق تتعلق بجوهر التمثيل السياسي الفلسطيني داخل منظومة الكنيست نفسها، فالدخول إلى الحكومة الإسرائيلية لا يعني فقط القدرة على التأثير في بعض الملفات اليومية، بل يعني أيضاً، ومباشرة، تحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن السياسات العامة التي تنتهجها الحكومة، سواء في غزّة أو الضفة الغربية أو تجاه الفلسطينيين في الداخل أو حتى في الإقليم.
تاريخياً، كان جوهر التمثيل السياسي الفلسطيني داخل الكنيست كان قائماً على كونه منصّة للدفاع عن حقوق المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، وكشف سياسات التمييز والإقصاء، والوقوف في وجه منظومة سياسية تعتبر الفلسطيني مواطناً من درجة أدنى.
لكن الانتقال من موقع المعارضة أو التمثيل الاحتجاجي إلى موقع الشراكة في الحكومة يطرح تحوّلاً نوعيّاً في طبيعة هذا الدور، من ممثل لمجتمع مُهمّش إلى شريك في بنية الحكم نفسها، لأن اليمين الإسرائيلي لم يعد مجرّد ائتلاف حكومي قابل للتغيير، بل أصبح ثقافة سياسية مهيمنة داخل قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، وانعكست هذه الهيمنة على مؤسّسات الدولة، والخطاب العام، والسياسات الرسمية والمجتمعية.
لم يعد اليمين الإسرائيلي مجرّد تيار حكومي متغيّر، بل أصبح بنية ثقافية وسياسية مهيمنة داخل مؤسسات الدولة والمجتمعمن منظور فلسطيني في الشتات، تتّخذ هذه الأسئلة بعداً أكثر شمولية، فالفلسطيني في الشتات، الذي يعيش خارج قيود الجغرافية المفروضة، ينظر إلى المشهد الفلسطيني بوصفه وحدة سياسية وتاريخية واحدة لا تقبل التجزئة.
وعليه، أي نقاش حول التمثيل السياسي يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية، أن الشعب الفلسطيني، في كل أماكن وجوده، واحد، وأن قضاياه السياسية والحقوقية مترابطة، مهما اختلفت أدوات المواجهة والواقع اليومي بين الضفة الغربية وقطاع غزّة والقدس والداخل الفلسطيني والشتات.
ومن هذا المنطلق، يصبح حصر النقاش بفلسطينيي الداخل أو بأي تجمّع فلسطيني آخر اختزالاً لطبيعة القضية الوطنية نفسها، وإعادة إنتاج للتجزئة التي فرضها الاحتلال على الشعب الفلسطيني عبر عقود.
فقضية فلسطين، تاريخيّاً وسياسيّاً، لم تكن يوماً قضية منطقة جغرافية معزولة أو فئة سكانية منفصلة، بل هي قضية شعب واحد، رغم تعدّد أماكن وجوده واختلاف ظروفه السياسية والقانونية.
لذلك، أي نقاش يتعلق بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن أن يستثني فلسطينيي الشتات، الذين يشكلون أكثر من نصف الشعب الفلسطيني، ويحملون جزءاً أساسيّاً من الذاكرة الوطنية، ومن النضال السياسي والدبلوماسي والحقوقي.
كما أن حقهم في العودة ليس مجرّد مطلب إنسان بل حق سياسي وقانوني لا يسقط بالتقادم، وركن لا ينفصل عن جوهر القضية الفلسطينية، وعن أي رؤية وطنية تسعى إلى تمثيل الشعب الفلسطيني بأكمله والحفاظ على حقوقه التاريخية.
قضية فلسطين، تاريخيّاً وسياسيّاً، لم تكن يوماً قضية منطقة جغرافية معزولة أو فئة منفصلةوهنا تبرز إشكالية عميقة: كيف يمكن لحزبٍ يُفترض أنه يمثل جزءاً من الفلسطينيين في الداخل المحتل أن يدخل في حكومة تمارس سياسات تمسّ هذا الشعب بأكمله؟ وهل يمكن الفصل بين التمثيل المدني داخل مؤسسات الدولة والمشاركة في صياغة أو شرعنة سياساتها العامة؟
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً حين نضعها في سياق التحول الأيديولوجي داخل إسرائيل، حيث لم يعد اليمين مجرّد تيار حكومي متغيّر، بل أصبح بنية ثقافية وسياسية مهيمنة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، تمتد من التشريع إلى الأمن إلى الخطاب العام.
في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن تبرير الدخول إلى حكومة تمثل امتداداً لهذا المشروع السياسي، من دون أن يتحوّل هذا إلى تطبيع مع بنية تقوم أساساً على إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية؟لا يقتصر هذا النقاش على البعد السياسي الآني، بل يمتد إلى المستقبل.
إذ ستكون لأي قرار من هذا النوع انعكاسات مباشرة على شكل العمل السياسي الفلسطيني، ليس فقط داخل الداخل المحتل، بل أيضاً في الشتات وفي الفضاءات الطلابية والتنظيمية.
فالأجيال الشابة التي تعيد صياغة أدواتها النضالية وأسئلتها السياسية ستجد نفسها أمام نموذج جديد من العلاقة مع المؤسّسة الإسرائيلية، نموذج قد يعيد تعريف حدود الممكن والمرفوض في العمل السياسي الفلسطيني.
وفي ظل هذا كله، يظل السؤال المركزي قائماً: عندما يُرفع شعار" من البحر إلى النهر"، بما يحمله من رؤية لوحدة الأرض والشعب و النضال، كيف يمكن قبول تجزئة هذا الشعب سياسيّاً أو تمثيليّاً؟ وكيف يمكن التوفيق بين خطاب وحدوي شامل وممارسات سياسية قد تعيد إنتاج الانقسام داخل الجسد الفلسطيني نفسه؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك