بعد 24 عاماً من إيقافه، أعادت تايوان إحياء برنامجها للتثقيف الوطني المناهض للشيوعية، المخصص لخريجي الأكاديمية العسكرية، ما يعكس القلق المتزايد بشأن جهود بكين للتغلغل في القوات المسلحة للجزيرة التي تعدها جزءاً من أراضيها، بعد سلسلة من قضايا التجسس التي تورط فيها أفراد من الجيش التايواني.
وبدأت الدورة الإلزامية التي استغرقت خمسة أيام، مطلع الشهر الحالي، واستهدفت خريجي الأكاديميات العسكرية في تايوان.
وتضمن المنهج الدراسي المُجدد محاضرات ألقاها كبار المسؤولين من وكالات تشمل مجلس شؤون البر الرئيسي، وأجهزة الأمن والاستخبارات حول الإكراه العسكري الذي تمارسه بكين، والحرب المعرفية، والتجسس، وتكتيكات التجنيد.
ما الهدف من برنامج مناهضة الشيوعية؟أطلق برنامج مناهضة الشيوعية في تايوان عام 1965، وتم تغيير اسمه إلى" التربية الوطنية" في عام 2002، بعد إلغائه.
وكان ذلك آنذاك مؤشراً على توقف العمل به في فترة شهدت استقراراً في العلاقات عبر المضيق، بين تايوان والصين.
لكن هذه المرة عاد الاسم المعادي للشيوعية ليبرز من جديد، إذ تسعى تايبيه إلى تعزيز الوعي بالتهديدات الأمنية القادمة من بكين.
وأعلنت وزارة الدفاع التايوانية، الأحد الماضي، أن الجيش استأنف دورات" التربية الوطنية المناهضة للشيوعية" لخريجي الأكاديميات العسكرية، مشيرة في بيان إلى أن تغيير الاسم جاء نتيجة لتزايد الضغط العسكري من جانب بكين، وأنشطة الجبهة الموحدة، وعمليات المنطقة الرمادية (جهد أو سلسلة من الجهود تتجاوز الردع الثابت وضمان تحقيق أهداف الأمن لدولة ما من دون اللجوء إلى الاستخدام المباشر والهائل للقوة).
وأضافت أن الضباط الجدد يحتاجون إلى فهم أوضح لتهديدات الأمن القومي ولماذا يقاتلون ولمن يقاتلون.
في موازاة ذلك، قال نائب الأمين العام لمجلس الأمن القومي التايواني لين فاي فان، في تصريحات أمس الثلاثاء، إن استعدادات تايوان لمواجهة هجوم صيني محتمل ليست استفزازاً، مضيفاً أن على شعب الجزيرة أن يأخذ التهديد على محمل الجد وأن يستعد الآن.
وفي كلمة ألقاها خلال منتدى في تايبيه، شدد لين فاي فان، على أن الإنفاق الدفاعي الصيني الضخم وضغط بكين العسكري المستمر في المنطقة يشكلان تهديدات حقيقية.
واعتبر أن" جميع استعدادات الصين تهدف إلى غاية واحدة واضحة، ألا وهي العدوان العسكري والتوسع الخارجي".
ووفق لين فاي فان، فإن" تايوان اليوم لا تُسيّر طائرة واحدة ولا تُرسل سفينة حربية واحدة لاختراق المجال الجوي أو المياه الإقليمية للطرف الآخر"، مضيفاً أن" من يُثير (يؤثر على) النظام الإقليمي ليس أي جهة أخرى، بل هي الصين".
يأتي قلق تايبيه في أعقاب عدة قضايا تجسس بارزة، حيث سُجن العام الماضي أربعة عسكريين سابقين، من بينهم ثلاثة أعضاء من الكتيبة 211 للشرطة العسكرية من النخبة المسؤولة عن حراسة مكتب زعيم تايوان (الرئيس لاي تشينغ تي)، بتهمة التجسس لصالح بكين.
وفي قضية أخرى، حُكم في إبريل/نيسان الماضي على رقيب متمركز في جزر ماتسو على خط المواجهة قبالة سواحل مقاطعة فوجيان الصينية، بالسجن لمدة 12 عاماً بعد تصويره خططاً تشغيلية سرية لقيادة دفاع ماتسو وتسليمها إلى جهات اتصال صينية في البر الرئيسي (الصين)، مقابل حوالي 67 ألف دولار تايواني أي ما يعادل 2100 دولار أميركي.
وبحسب مكتب الأمن الأعلى في تايوان، فقد تم توجيه الاتهام إلى 159 شخصاً في قضايا تجسس بين عامي 2020 و2025.
وقال المكتب إن بكين كانت تجند أهدافها من خلال أفراد الخدمة المتقاعدين، والاتصالات عبر الإنترنت، والحوافز المالية، والإكراه على الاقتراض، بينما تستخدم أيضاً جماعات الجريمة المنظمة، والمقرضين السريين، والشركات الوهمية، والمعابد الدينية، والمنظمات المدنية للتواصل مع الأفراد العسكريين.
من جهته، نفى مكتب شؤون تايوان في بكين مراراً وتكراراً اتهامات التجسس.
كما حذرت وكالة مكافحة التجسس في الصين في وقت سابق، من محاولات التسلل والتأثير من تايبيه.
وتعتبر بكين تايوان جزءاً من الصين ويجب إعادة توحيدها بالقوة إذا لزم الأمر.
يُذكر أن معظم الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، لا تعترف بتايوان دولةً مستقلة، لكن واشنطن تعارض أي محاولة للاستيلاء على الجزيرة ذات الحكم الذاتي بالقوة وتلتزم بتزويدها بالأسلحة.
وتنقسم الآراء على الساحتين العامة والسياسية في الجزيرة بشأن إعادة استخدام مصطلح" معاداة الشيوعية" الذي يعود إلى حقبة الحرب الباردة.
إذ يعتقد البعض أنها خطوة ضرورية في مواجهة التهديدات الحقيقية، بينما يخشى آخرون أن يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها عودة إلى المواجهة الأيديولوجية.
جو فانغ: خلال السنوات الأخيرة، ظهرت تباعاً حالات لأفراد عسكريين تايوانيين يُشتبه بانشقاقهم أو تعاونهم مع سلطات البر الرئيسيفي الصدد، رأى الباحث الزميل في جامعة آسيا (تايوان) جو فانغ، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن استعادة مصطلح" معاداة الشيوعية" هي استجابة ضرورية للتهديدات الأمنية المتزايدة التي يشكلها الجيش الصيني.
وقال إنه" خلال السنوات الأخيرة، ظهرت تباعاً حالات لأفراد عسكريين تايوانيين يُشتبه بانشقاقهم أو تعاونهم مع سلطات البر الرئيسي".
يعد ذلك في رأيه، مؤشراً على أن" أجهزة الاستخبارات الصينية تعمل على استراتيجية لاختراق صفوف الجنود عبر الدفاعات النفسية، باعتبار أن هؤلاء يمثلون عاملاً حاسماً في تحديد النصر أو الهزيمة في أي صراع مستقبلي عبر مضيق تايوان".
وبالتالي بالنظر إلى الوضع الراهن، أضاف جو فانغ أن اتخاذ إجراءات مضادة من أجل حماية الجزيرة" هو عمل وطني بامتياز وضرورة أمنية".
ولفت إلى أن الحفاظ على الأمن القومي، ومنع التسلل، ورفع مستوى الوعي لدى الجنود، مهامّ ينبغي على القيادة في تايبيه تعزيزها باستمرار.
وأضاف أن برامج التثقيف يجب أن تتجاوز الإطار الأكاديمي، لتشمل سبل مواجهة التحديات والتهديد العسكري للحزب الشيوعي الصيني لتايوان، ودراسة الأشكال الشائعة والأساليب التشغيلية للأجهزة الاستخباراتية الصينية سواء في الحرب المعرفية أو الحروب التقليدية.
كما يجب أن تشمل تفعيل استراتيجيات قصيرة وآنية لمنع تسلل منظمات التجسس التابعة للحزب الشيوعي الصيني إلى داخل الجزيرة.
خون وانغ: يجب أن يزوّد الضباط بمهارات عملية عالية الدقة للكشف عن طرق التجسس ومكافحتهافي المقابل، قال الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية في تايبيه، خون وانغ، لـ" العربي الجديد"، إن تثقيف الجنود يجب عدم اختزاله في المواجهة السياسية مع بكين، بل يجب أن يركز بدلاً من ذلك على تعزيز الدفاع الوطني والقدرات العسكرية.
وأوضح أن" رغم أهمية برامج التوعية المناهضة للشيوعية، فإنه يجب عدم التعامل معها باعتبارها شعاراً سياسياً، بل يجب أن يزود الضباط بمهارات عملية عالية الدقة للكشف عن طرق التجسس ومكافحتها قبل التغلغل إلى داخل صفوف الجيش".
وفي رأيه" لا شك أن تطوير مثل هذه الأساليب سيعكس التهديدات الحقيقية التي تواجهها تايوان اليوم في ظل الضغط العسكري وجمع المعلومات الاستخباراتية والتسلل التنظيمي والحرب المعرفية التي تمارسها بكين"، مضيفاً أن" هذا بطبيعة الحال سيرفع من حالة الوعي والتأهب لدى القوات".
يشار إلى أن نواباً عن حزب الكومينتانغ المعارض في تايبيه، يعتبرون أنه من الأهمية بمكان بدلاً من التركيز على معاداة الشيوعية أو مقاومة الصين من منظور تثقيفي، دراسة ما إذا كانت القدرات القتالية للجيش التايواني قد تحسنت بالفعل، بما في ذلك ما إذا كانت ترسانته العسكرية وقواته وقدراته الدفاعية الشاملة أقوى مما كانت عليه في الماضي.
ويعتقد هؤلاء أن استمرار العلاقات عبر المضيق في حالة من المواجهة لن يُسهم في تخفيف التوترات الإقليمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك