كرست الانتخابات النيابية التي جرت الخميس الماضي في الجزائر، المشهد النيابي والسياسي القائم نفسه، بعد سيطرة كتلة الموالاة على ثلثي مقاعد البرلمان، أي 256 مقعداً من أصل 407 مقاعد، ما يجعل السلطة في أريحية كبيرة في تشكيل الحكومة وتمرير القوانين والتشريعات في المرحلة المقبلة.
في المقابل، تراجعت كتلة الإسلاميين في البرلمان، بموجب الانتخابات الجزائرية وظهرت الكتلة الديمقراطية أكثر ضعفاً بعدما تعرضت لخيبة أمل كبيرة، غير أن تداعيات هذه النتائج خصوصاً بالنسبة للأحزاب التي تراجعت مقاعدها في هذه الانتخابات، لا يُتوقع أن يدفعها إلى إحداث تغييرات على صعيد القيادات، بالنظر إلى مفارقة ترتبط بحصولها في المقابل على كتلة مصوّتين أكثر من الانتخابات السابقة.
نتائج الانتخابات الجزائريةوأعلنت السلطة المستقلة للانتخابات في الجزائر، الاثنين الماضي، عن نتائج الانتخابات الجزائرية الأولية، والتي سجلت أدنى نسبة التصويت بأقل من 21%، وفاز حزب جبهة التحرير الوطني بـ90 مقعداً، والتجمع الوطني الديمقراطي بـ73 مقعداً، وتقدم حزب جبهة المستقبل إلى المرتبة الثالثة بـ59 مقعداً، بينما تراجعت حركة مجتمع السلم، أكبر الأحزاب الإسلامية (معارضة) إلى الرتبة الرابعة بـ44 مقعداً، تليها حركة البناء الوطني (إسلامي موالي) بـ38 مقعداً، فيما حصل حزب صوت الشعب على 17 مقعداً، وخيبت جبهة القوى الاشتراكية (اشتراكي معارض)، بحصولها على 12 مقعداً فقط، وحصل حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية على سبعة مقاعد، وحزب العمال اليساري الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة لويزة حنون على ثلاثة مقاعد، وتراجعت كتلة المستقلين إلى 38 مقعداً.
وفازت أحزاب الوسط، حزب الفجر الجديد، والحرية والعدالة، بستة مقاعد لكليهما، وحزب الكرامة بخمسة مقاعد، وفاز حزبان آخران من الكتلة الإسلامية، حزب جبهة العدالة والتنمية التي يقودها الشيخ عبد الله جاب الله أحد أبرز مؤسسي العمل الإسلامي في الجزائر، بأربعة مقاعد وحركة النهضة بمقعدين، بينما لم يحصل 11 حزباً مشاركاً على أي مقعد.
عابد خلاف: لن نكون أمام حكومة سياسية وتبون سيواصل العمل مع حكومة تكنوقراطبذلك، تكون الانتخابات الجزائرية قد انتهت بفوز كتلة الموالاة من الحزام الرئاسي التي تضم خمسة أحزاب رئيسة، جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل وحركة البناء الوطني وصوت الشعب، بـ256 نائباً من مجموع 407 نواب في المجلس الشعبي الوطني، من دون أن تبدأ الحسابات السياسية.
ولا تؤثر نتيجة الانتخابات في البلاد في طبيعة التحالفات الحزبية، لكون الدستور يمنح رئيس الجمهورية في هذه الحالة، صلاحية تشكيل الحكومة واختيار الوزير الأول (رئيس الحكومة)، من دون أن يكون مضطراً إلى استشارة هذه الأحزاب، خصوصاً في ظل النظام الرئاسي القائم في الجزائر.
والجدير بالذكر أن الحكومة الحالية التي ينتظر أن تقدم استقالتها إلى الرئيس عبد المجيد تبون في غضون أيام بعد تثبيت المحكمة الدستورية للنتائج النهائية، لا تضم أي تمثيل لأحزاب الحزام الرئاسي.
وعلى هذا الأساس يكون تبون المستفيد الوحيد من الانتخابات الجزائرية أكثر من الأحزاب السياسية نفسها، كونه حصل على أريحية نيابية تعفيه من أي التزامات مع الأحزاب بشأن تشكيل الحكومة وصياغة خياراتها، وضمان تمرير القوانين والتشريعات التي يعتزم طرحها في المرحلة المقبلة، ومن دون تعطيل للموازنات أو مناكفة نيابية.
ويركز تبون حالياً على المشروعات الاقتصادية ومواصلة الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الجزائري، وتنفيذ خطة الإصلاح النقدي وحزمة المشاريع الحيوية الكبرى ذات الصلة بالقطاعات الطاقة والمناجم والبنية التحتية وتطوير الزراعات والدفاع والجيش، والتي يلخصها تبون في بندين اثنين: بناء اقتصاد منتج وجيش قوي.
وأكد الباحث في الشؤون السياسية عابد خلاف، في حديثٍ لـ" العربي الجديد"، أن" طبيعة النظام السياسي القائم في الجزائر، تجعل من الأحزاب الفائزة ضمن الحزام الداعم للسلطة وللرئيس عبد المجيد تبون، سنداً لهذا الأخير للتصرف في تشكيل الحكومة".
وأشار إلى أنه" خلال التجارب السابقة كانت الأحزاب الفائزة لا تقود الحكومة، ولا تكون شريكة في تشكيلها وتقتصر مشاركتها في التشكيل الحكومي بحقيبتين أو ثلاث لكل حزب، وسريعاً ما كان يتم الاستبعاد التدريجي لوزراء الأحزاب، مثلما حدث بعد انتخابات عام 2021.
وهذا يعني أننا لن نكون أمام حكومة سياسية بأي معنى كان، وكل التوقعات تؤكد أن الرئيس تبون سيواصل العمل مع حكومة تتشكل أساساً من التكنوقراط، تماشيا مع خياراته، وهذا في الحقيقة يفقد النتائج الانتخابات معناها السياسي".
عبد العالي حساني: نحن حزب مسؤول وسنقوم بتقييم جدي للنتائج وبنقاش داخلي بشأنهاولا تغير النتائج في الانتخابات الجزائرية من الخريطة النيابية والتشكيل البرلماني، إذ تسيطر كتلة الموالاة على ثلثي المقاعد، وهذا سيمنحها فرصة الهيمنة على مكتب البرلمان والهياكل واللجان النيابية القطاعية، والتحكم في المسارات التشريعية للقوانين والمبادرات النيابية.
ويعني هذا الأمر توقع أداء نيابي أقل ومن دون تغيير في الأداء العام للبرلمان، خصوصاً أن البرلمان المنتهية ولايته لم يبادر في السنوات الخمس الماضية إلا بتقديم مبادرة تشريعية واحدة فقط، وهي قانون تجريم الاستعمار.
وتوقع محللون أن ينكفئ النواب في الكتل النيابية عن مناكفة الحكومة والمداخلات الحادة والاستجوابات النيابية المحرجة لها، لئلا يكون مصيرهم في الانتخابات المقبلة الإحالة على المادة 200 من القانون الانتخابي، التي سمحت للسلطة بإقصاء عدد كبير من نواب البرلمان ومنعهم من الترشح مرة أخرى لأسباب غير دقيقة، على خلفية مواقفهم ونشاطهم النيابي الذي رأت فيه السلطة خروجا عن الخط العام.
وهذا يعني أن عدداً كبيراً من النواب سيدخلون إلى البرلمان وعينهم على أفق انتخابات 2031.
هل بدأت الأحزاب عملية تقييم؟لم تبدأ الأحزاب الجزائرية بعد عملية تقييم داخلي للنتائج التي حصلت عليها، خصوصاً بالنسبة للأحزاب التي تراجعت نسبياً مقارنة مع انتخابات عام 2021، أو حققت نتائج مخيبة لتوقعاتها.
وليس من عادة قادة الأحزاب الجزائرية وفقاً لتجارب الاستحقاقات الانتخابية السابقة، الاستقالة بفعل نتائج الانتخابات، لكن بعض التصريحات السياسية التي أعلنها قادة الأحزاب، تؤكد وجود محاولة لاحتواء هذه الإخفاقات وامتصاص الاستياء الداخلي من جهة، وتحميل السلطة مسؤولية هذه النتائج بفعل الإقصاءات التي تعرضت لها القوائم وبسبب غلق مجالات النقاش السياسي والإعلامي من جهة أخرى.
في السياق، قال رئيس حركة مجتمع السلم عبد العالي حساني في مؤتمر صحافي، أمس الثلاثاء: " نحن حزب مسؤول وسنقوم بتقييم جدي للنتائج وبنقاش داخلي بشأنها، ليس لنا أي حرج وعقدة اتجاه النتائج، وإذا كان يتعين علينا تغيير القيادة فليكن ذلك، لكننا نحمّل السلطة مسؤولية تقزيم حركتنا، لقد تعرضنا لعملية تقزيم.
وهناك نتائج مطعون فيها في عدة ولايات لها علاقة بالنتائج النهائية، حركتنا ليست مجرد أرقام وإنما هي رصيد من المساهمة في بناء البلاد".
في المقابل، تحدث رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة، عن أن الحركة تعرضت لظلم انتخابي حرمها من مزيد من المقاعد، مشيراً إلى وجود خروق في بعض مكاتب التصويت، وعن" تصويت الموتى" في أحد المراكز الانتخابية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك