كي يلعب طفل أو مراهق عادي كرة القدم لا يحتاج إلى ملعب عشبيّ، أو معدّات باهظة، أو عضوية نادٍ خاص، كما هو الحال مع الغولف أو التنس؛ بل تكفيه مساحة محدودة من الأرض، وكرة مطّاطية عادية، وحذاء بسيط، ما يجعل أيّ فتى في أيّ حي شعبي من البرازيل، إلى مصر، إلى الفيليبين، قادراً على ممارسة اللعبة بالمجان، أو بكلفة مقبولة.
ولكن اللعبة المجانية في أصلها الشعبي، التي ولدت من رحم الطبقة العاملة، تحوّلت إلى واحدة من أكثر الأنشطة ربحية على وجه الأرض، إذ تديرها آلة رأسمالية عملاقة، ومؤسّسات عابرة للقارّات، وتملك أنديتها الكبرى صناديق سيادية ورجال أعمال، وتُقاس نجاحاتها بعائدات البثّ التلفزيوني أكثر مما تُقاس بجماليات اللعب.
وليس التباين بين الشعبوية والرأسمالية مفارقة عابرة، بل جوهر إشكالية تتفاقم، مصدرها أنّ كرة القدم تحتفظ بشعبيتها الجارفة وقابليّتها للممارسة المجانية، بينما تتحوّل بنيتها المؤسسية إلى نسخة معبّرة عن كلّ التناقضات الرأسمالية.
بدأت لعبة كرة القدم كما نعرفها حالياً في إنكلترا في منتصف القرن التاسع عشر، وكانت اللعبة في بداياتها الأولى تُمارس داخل المدارس الخاصة للأرستقراطيين، لكنها سرعان ما انتقلت إلى أحياء العمال في مدن مثل مانشستر وليفربول وبرمنغهام باعتبارها نشاطاً جماعياً رخيصاً يُمارس بعد ساعات العمل الشاقّة في المصانع، وعندما تكوّنت الأندية لاحقاً، كانت في حقيقتها جمعيات تعاونية تأسّست بأموال جمعها العمال أنفسهم.
ويرى المؤرّخون الرياضيون أنّ التحوّل الطبقي هو ما منح كرة القدم طابعها الفريد طوال نحو قرن من انتشارها، فاللعبة التي اخترعتها النخبة، استولت عليها الجماهير، لتصبح الرياضة الشعبية الأشهر عالمياً، ولا تزال كذلك رغم مُتغيّرات رأسمالية كثيرة.
الأموال التي كانت تُجمع من جيب المشجّع المحلي أصبحت تُجلب من حقوق البثّ العالمية والرُعاة الدوليينفي عام 1863، تأسّس الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم في لندن، وحينها وُضع أول قانون موحّد للعبة، وفي 1888، تأسّس دوري كرة القدم الإنكليزي أوّل دوري في العالم، وكان احتراف اللعبة آنذاك يعني دفع مقابل رمزي للاعبين لتعويضهم عن خسارة أيام العمل نتيجة الانشغال بالمباريات.
ومع التوسّع الاستعماري، وحركة البحّارة والتجّار، انتقلت كرة القدم إلى أوروبا القارّية وأميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، وتأسّست الأندية في الأرجنتين والبرازيل وإيطاليا وإسبانيا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
وجاء تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في 1904 في باريس، بمبادرة من سبعة اتحادات أوروبية، ليمنح اللعبة إطاراً حاكماً موحّداً، تُوّج لاحقاً بأوّل بطولة لكأس العالم في أوروغواي عام 1930.
كانت اللعبة، طوال الثلثين الأوّل والثاني من القرن العشرين احترافية بالاسم فقط، فاللاعبون موظفون يتقاضون أجوراً معقولة، والأندية غالباً مؤسّسات مجتمعية أو مملوكة لتجار أو صناعيين محليين يبحثون عن المكانة الاجتماعية أكثر من بحثهم عن الربح، كما كانت تعبّر عن هُويّة المجتمع المحلي، وكان جمهورها امتداداً للفريق.
استمر هذا الوضع حتى 1973، حينها عقدت أول صفقة رعاية تجارية عبر القمصان، وكانت في الدوري الألماني (البوندسليغا)، عندما وقع نادي أينتراخت برونشفايغ عقد رعاية مع شركة المشروبات الكحولية ياغمايستر مقابل مائة ألف مارك ألماني.
وقد رفضها الاتحاد الألماني، لكنه في العام التالي وافق على فكرة الرعاية التجارية.
غير أن التحوّل التجاري الجذري حدث في 1992، حين أطلقت قنوات" سكاي" البريطانية الدوري الإنكليزي الممتاز (البريمييرليغ)، وكانت قيمة أوّل صفقة بثّ تلفزيوني تبلغ 191 مليون جنيه إسترليني لبث 60 مباراة سنوياً.
لاحقاً، تضاعفت الأرقام بوتيرة جنونية، ففي العقد الأول من الألفية الثالثة، وصلت قيمة صفقات البثّ إلى 1.
2 مليار إسترليني، ثم إلى 5.
1 مليارات إسترليني في العقد التالي.
وكان هذا المال التلفزيوني بمثابة بداية لتحويل كرة القدم من" منتج اجتماعي" إلى" سلعة استهلاكية"، فالجمهور لم يعد بحاجة للذهاب إلى الملعب لمشاهدة المباريات، بل أصبح مُشاهداً منزوعاً عن السياقين، الجغرافي والاجتماعي، للعبة، ومع تزايد الإيرادات، تغيّرت طبيعة الأندية، فالأموال التي كانت تُجمع من جيب المشجّع المحلي أصبحت تُجلب من حقوق البثّ العالمية والرُعاة الدوليين.
بموازاة هذا، جاء" حكم بوسمان" الصادر عن محكمة العدل الأوروبية في عام 1995، ليحرّر اللاعبين من قيود الانتقال، لتتضاعف رواتبهم مع تزايد قدرتهم على التفاوض، ومنذ تلك اللحظة، دخلت كرة القدم مساراً لا رجعة عنه، فكلّما زادت عائدات البثّ والرعاية، زادت قدرة الأندية على شراء اللاعبين.
اللعبة التي اخترعتها النخبة، استولت عليها الجماهير، لتصبح الرياضة الشعبية الأشهر عالمياً، ولا تزال كذلك رغم الكثير من المتغيرات الرأسماليةومع تزايد الأرباح، تحوّلت الأندية إلى مؤسّسات ضخمة، وتكشف قائمة فوربس لأغلى الأندية في العالم لعام 2026، أنّ قيمة نادي ريال مدريد الإسباني تبلغ 9.
5 مليارات دولار، يليه برشلونة بـ 7.
5 مليارات، ثم مانشستر يونايتد بـ 6.
2 مليارات.
ولم تعد ملكية الأندية الكبرى شأناً محلياً كذلك، بل أصبح كثير منها مملوكاً، جزئياً أو كلياً، لصناديق استثمارية دولية، أو مستثمرين دوليين، ثم برزت الصناديق السيادية للدول مالكاً جديداً، فنادي باريس سان جيرمان يملكه الصندوق السيادي القطري، ونادي مانشستر سيتي مملوك لمجموعة أبو ظبي الرياضية التابعة لصندوق أبو ظبي السيادي، ونادي نيوكاسل انتقل إلى ملكية سعودية.
لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، فبورصة اللاعبين شهدت تدفّقات استثمارية سيادية أيضاً، واستقطبت دورياتٌ نجوماً عالميين في مراحل متأخّرة أو متوسّطة من مسيرتهم، مثل كريستيانو رونالدو الذي يلعب في الدوري السعودي.
ويحمل هذا النمط من الرأسمالية السيادية الرياضية منطقاً مُختلفاً عن منطق صناديق الاستثمار التقليدية، فهو لا يبحث بالضرورة عن العائد المالي المباشر بقدر ما يبحث عن النفوذ الرمزي ويستغل أدوات الدبلوماسية الناعمة.
وبرزت أخيراً ظاهرة الملكية المُتعدّدة للأندية، إذ تدير مجموعة استثمارية شبكة من الأندية، وهناك أكثر من 120 مجموعة تشرف على قرابة 380 نادياً، أشهرها" مجموعة سيتي"، التي تملك حصصاً في 13 نادياً في خمس قارات، منها مانشستر سيتي الإنكليزي، ونيويورك سيتي الأميركي، وملبورن سيتي الأسترالي، ومونتيفيديو توركي الأوروغواني، ويوكوهاما إف مارينوس الياباني، ومومباي سيتي الهندي.
ويتيح هذا النموذج تدوير المواهب ومشاركة الموارد التجارية بين الأندية التابعة، لكنه يُثير أسئلة جدية حول نزاهة المنافسة وتضارب المصالح، خصوصاً حين تتقابل أندية تابعة للمجموعة في بطولة واحدة.
تُباع التذاكر في المونديال الحالي (2026) بأسعار تقترب من عشرة أضعاف أسعار مونديال قطر (2022)، ما حرم المشجّع العادي من حضور أهم حدث كروي في الملعبويعد الانعكاس الأوضح لهذا التسليع انفجار الأجور، إذ لم يعد راتب اللاعب النجم يُقاس بمعايير الأداء فحسب، بل أيضاً حسب قيمته التسويقية، ومن ذلك عدد متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي، وقدرته على بيع القمصان، وجاذبيّته للرعاة.
في كأس العالم الحالية، يتصدّر إيرلنغ هالاند قائمة الأعلى أجراً بأكثر من 62 مليون دولار سنوياً، منها 20 مليوناً على الأقل من حصيلة الإعلانات، يليه فينيسيوس جونيور بـ 60 مليوناً، ثم محمد صلاح بـ 55 مليوناً، وساديو ماني بـ 54 مليوناً.
وقد برزت أيضاً ظاهرة قدرة النجم على جذب جماهير جديدة إلى دوري بعينه، ومن ذلك انتقال ليونيل ميسّي إلى نادي إنتر ميامي الأميركي، وانتقال رونالدو إلى نادي النصر السعودي، بعقود ضخمة تتجاوز المنطق الرياضي إلى منطق التسويق الجغرافي الذي تنتهجه الدوريات المحلية لفتح أسواق جماهيرية جديدة.
وتنسحب الظاهرة نفسها على المدرّبين الذين أصبحت عقودهم تُقاس بعشرات الملايين سنوياً، وليس هذا مقابل الخبرة التكتيكية وحدها، بل بوصفهم علامات تجارية وتسويقية أيضاً، وجزء من صراع الشهرة الإعلامي يوازي الصراع على اللاعبين.
ويتصدر دييغو سيميوني قائمة أعلى المدرّبين أجراً بـ 25.
9 مليون جنيه إسترليني سنوياً مع أتلتيكو مدريد، يليه سيموني إنزاغي بـ 21.
8 مليوناً في الدوري السعودي، ثم بيب غوارديولا بـ 20.
7 مليوناً مع مانشستر سيتي، وفي بطولة كأس العالم الحالية، يتقاضى كارلو أنشيلوتي (البرازيل) 8.
28 ملايين جنيه، وتوماس توخيل (إنكلترا) 5.
06 ملايين، وموريسيو بوكيتينو (الولايات المتحدة) 4.
53 ملايين.
ولهذا التضخم في الأجور كلفته أيضاً، إذ تراجعت الأرباح التشغيلية لأندية كبرى، وارتفعت مديونياتها بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل جزءاً من الثراء الظاهر للعبة مموّل بالديون أكثر مما هو مموّل بأرباح فعلية.
يُعدّ مونديال 2026 المقام بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا مثالا صارخا على منطق" التسليع الرياضي"وحاول الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) فرض ضوابط عبر قواعد الاستدامة المالية التي تحدّ من إنفاق الأندية على الرواتب والانتقالات على أنها نسبة من إيراداتها، لكن الأندية المدعومة بثروات سيادية أو مليارية تظلّ قادرة على تجاوز هذه الضوابط، أو التكيّف معها، على عكس الأندية التقليدية.
وكانت النتيجة الطبيعية لهذا المسار تحوّل عدة أندية كبرى من كيانات رياضية إلى مؤسّسات تجارية تُدار بمنطق الشركات المساهمة، وأصبحت أصول بعض الأندية تُقدّر بمليارات الدولارات، وتُدرج في البورصات، ما يجعل قراراتها الرياضية تُدار بمنطق العائد الاستثماري، فبيع لاعب واعد ليس مجرّد قرار كروي، بل قرار مالي يخدم التوازن المحاسبي للنادي.
وفي حين أدخل النمط الاستثماري احترافية إدارية ومالية كانت اللعبة تفتقر إليها خلال العقود السابقة، والتي لم تكن خالية بدورها من فساد مالي وإداري، تطرح التحوّلات القائمة مشكلات عدّة، فتحوّل أندية الأحياء أو المدن إلى علامات تجارية يجعل جمهورها أشبه بالمستهلكين، لا المشجعين، كما أنّ نماذج الملكية الاستثمارية يفرغ الأندية من روحها المجتمعية، ويختزلها في مجرّد أصل ضمن محفظة تجارية.
ويُعدّ مونديال 2026 المقام بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا مثالا صارخا على منطق" التسليع الرياضي"، فالبطولة التي توسّعت لتضم 48 منتخباً هي الأضخم في تاريخ المونديال، وأعلن" الفيفا" توزيع جوائز مالية إجمالية بقيمة 871 مليون دولار على المنتخبات المشاركة فيها، ما يقارب ضعف قيمة جوائز النسخة السابقة في قطر 2022، وهي تستهدف إيرادات تتجاوز 13 مليار دولار، تشمل أربعة مليارات من حقوق البث، و2.
5 مليار من حقوق الرعاية، وثلاثة مليارات من إيرادات الضيافة والتذاكر.
كيف يمكن تبرير دفع هذه المبالغ للاعب أو مدرّب واحد، بينما يعاني مليارات البشر من الفقر، ولا يملكون أبسط الوسائل للتغلّب على الجوع؟وتُباع التذاكر في المونديال الحالي (2026) بأسعار تقترب من عشرة أضعاف أسعار مونديال قطر (2022).
ودافع رئيس" فيفا"، جياني إنفانتينو، عن الأمر قائلاً إنه" كان لا بد أن نطبق أسعار السوق"، وهي عبارة تختصر فلسفة" فيفا" التجارية، والتي تتجاهل أنّ المشجّع العادي أصبح شبه محروم من حضور أهم حدث كروي في الملعب.
وبينما تعكس الأرقام بوضوح حجم الأموال التي باتت تدور في فلك البطولة، تدرس" فيفا" توسيع البطولة إلى 64 فريقاً في نسخة 2030، أو 2034، ما يعني 128 مباراة، ليتحوّل المونديال من رياضة إلى وسيلة ربح ضخمة.
ويضاف إلى هذا الجدل السياسي والأمني، إذ برزت سياسات الهجرة الأميركية المُتشدّدة تجاه الجماهير والمُنتخبات القادمة من دول بعينها، ونشرت المكسيك آلافاً من عناصر الأمن لمواجهة مخاوف مرتبطة بعنف عصابات المخدّرات، بينما" فيفا" التي تتبنّى شعار" فصل الرياضة عن السياسة"، منحت الرئيس الأميركي دونالد ترامب جائزة بلا داع، ما اعتبره كثيرون دليلاً على أنّ الحياد المُعلن يُطبَّق انتقائيّاً.
ويظل السؤال الأخلاقي المُتعلّق بالعدالة الاجتماعية قائماً، إذ كيف يمكن تبرير دفع هذه المبالغ للاعب أو مدرّب واحد، بينما يعاني مليارات البشر من الفقر، ولا يملكون أبسط الوسائل للتغلّب على الجوع؟ ولا يمكن أن تخلو الإجابة عن هذا السؤال من اتهام كرة القدم بأنّها تعيش انفصاماً بنيوياً بين مستوى شعبي لا يزال، لحسن الحظ، يملك أطفاله ومراهقوه وشبابه القدرة على ممارسة اللعبة، ومستوى مؤسّسي يراكم المال العابر للحدود، وتتنافس فيه الصناديق السيادية ورجال الأعمال على أصول مالية ضخمة، بينما يتوسّط بينهما الاتحاد الدولي" فيفا"، الذي أثبت مراراً أنّه لا يرى تناقضاً بين الحديث عن روح اللعبة الشعبية، والتفاوض في الوقت نفسه على أعلى الأسعار المُمكنة لكلّ دقيقة بث، وكلّ تذكرة، وكلّ شاشة إعلانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك