الكرة المغربية.
كيف أقنع المشروع أفضل المواهب باختيار المغرب؟اختار الموهبة المغربية أيوب بوعدي تمثيل المنتخب المغربي، رغم أنه نشأ في فرنسا وتدرج في منتخباتها السنية، وكان يُنظر إليه داخل الأوساط الكروية الفرنسية باعتباره أحد أبرز المواهب المرشحة لقيادة خط وسط المنتخب الفرنسي مستقبلًا، مع اهتمام عدد من كبار الأندية الأوروبية بالتعاقد معه.
لكن بوعدي لم يكن الحالة الأولى، وربما لن يكون الأخيرة.
وأثناء مشاهدتي لمقابلة رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، بدأت تتضح لي الإجابة عن هذا السؤال، وخرجت باستنتاج شخصي مفاده أن إحدى اللحظات المفصلية في المشروع الكروي المغربي كانت عندما نجح المسؤولون في إقناع أشرف حكيمي بتمثيل المنتخب المغربي.
فحكيمي لم يكن مجرد لاعب موهوب، بل أحد أفضل لاعبي العالم في مركزه، تدرج في ريال مدريد، ثم واصل مسيرته مع باريس سان جيرمان، ليصبح أحد أبرز نجوم الكرة العالمية.
ومن وجهة نظري، فإن اختياره للمغرب منح المشروع الكروي المغربي مصداقية أكبر أمام بقية المواهب المغربية في أوروبا، فعندما يرى لاعب شاب أن أحد أفضل اللاعبين في العالم اختار تمثيل المغرب رغم امتلاكه جميع المقومات لتمثيل أحد أكبر المنتخبات الأوروبية، فإن المشروع نفسه يصبح أكثر إقناعًا.
لكن نجاح المغرب لم يُبنَ على حكيمي وحده، بل على منظومة متكاملة، فالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عملت لسنوات على بناء شبكة واسعة من الكشافين في مختلف الدول الأوروبية لمتابعة أبناء الجالية المغربية، التي يُقدَّر عددها بنحو خمسة ملايين شخص، وبذلك لم يعد التواصل مع اللاعبين مزدوجي الجنسية يبدأ فقط بعد بروزهم في الملاعب الأوروبية، بل أصبح جزءًا من خطة طويلة المدى لاكتشاف المواهب وبناء علاقة معها منذ مراحل مبكرة.
ومن أكثر النقاط التي لفتت انتباهي في حديث فوزي لقجع أن أول ما يُناقش مع اللاعب ليس المكافآت أو الامتيازات، وإنما المشروع الكروي للمغرب، منتخب يشارك باستمرار في كأس الأمم الأفريقية، ويملك رؤية واضحة للحضور المنتظم في كأس العالم حتى عام 2030، إلى جانب الاستثمار المستمر في البنية التحتية، وفي مقدمتها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم والمركز الطبي الرياضي الجديد التابع لها.
ولم يقتصر الأمر على اللاعب وحده، بل كشف لقجع عن الدور الكبير الذي تؤديه العائلة في اتخاذ القرار، وخصوصًا والدة اللاعب، فالتواصل يمتد إلى الأسرة انطلاقًا من قناعة بأن قرار تمثيل المنتخب لا يرتبط بالجوانب الرياضية فقط، بل يتأثر أيضًا بالهوية والانتماء والارتباط العاطفي بالمغرب، وهي عناصر ما زالت حاضرة بقوة لدى أبناء الجالية.
وخلال المقابلة، طُرح سؤال مباشر حول استخدام الإغراءات المالية لاستقطاب اللاعبين، فجاء الرد واضحًا: هؤلاء اللاعبون ليسوا بحاجة إلى المال، لأن معظمهم يلعب في أكبر الأندية الأوروبية ويتقاضى رواتب مرتفعة، بل إن بعضهم يساهم من ماله الخاص في مشاريع اجتماعية وتنموية داخل المغرب، وهو ما يعكس عمق ارتباطه ببلده.
بعد الإنجاز التاريخي في كأس العالم 2022، ثم المستويات التي يواصل المنتخب المغربي تقديمها في كأس العالم 2026، يبدو واضحًا أن ما نشاهده ليس نتيجة عمل قصير المدى، بل ثمرة مشروع طويل الأمد يقوم على التخطيط والاستثمار وبناء الثقة.
ولعل أهم ما يمكن تعلمه من التجربة المغربية هو أن المنتخبات لا تكسب ولاء اللاعبين بالشعارات أو الإغراءات، بل ببناء مشروع يجعل اللاعب هو من يقتنع بأن تمثيل وطنه ليس مجرد قرار عاطفي، بل خيار رياضي قادر على صناعة المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك