نحو مانيفستو للتجديد الجذريبعد ثمانية عقود من التأسيس، يقف الحزب الشيوعي السوداني على مفترق طرق وجودي , لم تعد المشكلة في أخطاء تكتيكية, أو سوء تقدير مرحلي، بل في أزمة بنيوية عميقة تهدد بتحويله إلى متحف أيديولوجي يحرسه الحرس القديم، أو تفتح أمامه باب «استئصال جراحي» للثقافة الستالينية وإعادة بنائه كشبكة ديمقراطية حية قادرة على استيعاب تعقيدات السودان المعاصرأولاً- أزمة «المركزية الميتة»تحولت «المركزية الديمقراطية» التي صُممت أصلاً لتنظيم حزبي في ظروف روسيا القيصرية , و إلى أداة جمود عقليو أصبح التمسك بالـ«خط الحزبي» كحقيقة مطلقة إلغاءً للديالكتيك الماركسي نفسه، الذي يقوم على التناقض والحركة , و يحتاج الحزب اليوم إلى التحرر من «المركزية الحديدية» نحو «الشبكة الديمقراطية»، حيث تتحول اللجنة المركزية من حصن للقرار الفردي إلى منصة تداول أفقي، والعضو من «ترس في آلة» إلى مفكر مستقل يمارس الاختلاف كخصوبة فكرية لا كخيانةثانياً – الخروج من الاستعلاء الأيديولوجيالارتهان لمرجعية ماركسية-لينينية جامدة لم يعد يقدم إجابات على أسئلة العصر, و الثورة الرقمية، قضايا الهوية، العدالة المناخية، والدولة المدنية التعددية.
كما أشار الخاتم عدلان في «أوان التغيير»، يجب إعادة قراءة الماركسية نقدياً دون هدم أساسهاواليسار السوداني لا يملك رفاهية البدائية الفكرية؛ فالعالم يتغير بسرعة فائقة، والحزب الذي يدافع عن «تراثه» فقط سيظل أسيراً للماضيثالثاً – التحالفات.
من التكتيك إلى استراتيجية الوطن يعاني الحزب من «فوبيا التغيير» التي تحول أي تنسيق إلى تهديد للهويةلكن العزلة ليست ثورية، بل انتحار سياسي.
السودان مجتمع معقد يتجاوز التصنيفات الطبقية الكلاسيكية، ويحتاج إلى «كتلة تاريخية» عريضة يجب أن يتحول الحزب من حزب طبقي نخبوي إلى حركة اجتماعية-سياسية تستوعب التناقضات العرقية والدينية والمناطقيةالتحالف هنا ليس تضحية بالمبادئ، بل إعادة تعريف للذات كحركة وطنية تستلهم أفكار الزيلعي حول المواطنة والدولة المدنيةرابعاً – بناء «الشبكة الديمقراطية» عملياًالتجديد يبدأ من اللجنة المركزية كموقع محوري -تحويل اجتماعات اللجنة إلى ورش عمل مفتوحة، مع إنشاء منصة رقمية داخلية للنقاش المستمرإلغاء التوجيه الإلزامي واستبداله بأوراق سياسية تُناقش مع القواعدالاعتراف بحق التكتل العلني، وفتح اللجان المتخصصة لخبراء خارج اللجنةانتخابات تنافسية بالقوائم المفتوحة، مع حد أقصى للولايات وتخصيص نسبة للأصوات النقدية والشابةاستفتاءات داخلية ملزمة وتقارير مفتوحةخامساً- التحديات الواقعيةتميل موازين القوى حالياً لصالح «التيار القديم» الذي يسيطر على الأمانة العامة والموارد والعلاقات الخارجية محاولات سابقة (عدلان 1994، الشفيع خضر 2016) قوبلت بالرفض المؤسسي.
وتتوزع التحديات على ثلاثة مستويات-القيادة التاريخية – تفضل «الموت البطيء» على الإصلاح الجذري , الكوادر الوسطية – تعي الحاجة للتغيير لكنها تخشى الانشقاق , القواعد- بدأت تتسرب نحو قوى أخرى بحثاً عن فعل سياسي ملموسكما توجد تحديات موضوعية- التحولات الإقليمية والدولية، وطبيعة المجتمع السوداني متعدد الأبعاد، وخطر الانشقاقسادساً – استراتيجيات التجديد الناجحة — دروس عالميةأثبتت تجارب اليوروكوميونيزم الإيطالي، وسيريزا اليونانية، وبوديموس الإسباني، وحزب العمال البرازيلي إمكانية التجديد عبر -الانتقال من حزب طليعي إلى حركة اجتماعية واسعةتبني الديمقراطية التشاركية والأدوات الرقميةبناء تحالفات استراتيجية مع الحفاظ على النقد الرأسماليالتوفيق بين «برنامج أدنى» واقعي وأفق اشتراكي بعيدسابعاً- تجربة الحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) — نموذج ملهم نجح الحزب الإيطالي تحت قيادة بيرلينغوير في الاستقلال عن موسكو، وتخفيف المركزية، وبناء «التسوية التاريخية»، وتحويل نفسه إلى قوة ثقافية-اجتماعية واسعةيقدم هذا النموذج دليلاً على أن التجديد ممكن، وإن كان يحمل تكلفة سياسيةثامناً – دور المنصات الرقمية في التجديدتمثل المنصات الرقمية بنية تحتية للديمقراطية الحزبية في القرن الحادي والعشرينتتيح النقاش الأفقي المستمر، والاستفتاءات الشفافة، والتكتلات الفكرية العلنية، والتواصل مع الشباب والمغتربينيجب أن تُصمم هذه المنصات بأمان عالٍ وشفافية كاملة لتكون أداة تحرير لا أداة سيطرة جديدة.
خاتمةالتجديد ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة بقاء ليس المطلوب التخلي عن الاشتراكية، بل إخلاص لها عبر الشجاعة في قول – «نحن لسنا ماركسيين جامدين، بل ثوريون ديمقراطيون يمتلكون رؤية لمستقبل السودان»روح ماركس النقدية التي قال فيها «أنا لست ماركسياً» وهي الطريق , و التاريخ لا يرحم، والحزب الذي لا يستطيع تغيير جلده لن يجد له مكاناً في السودان الجديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك