تتجه الأنظار إلى العاصمة التركية أنقرة، حيث يعقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب اجتماعاً مع الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، اليوم الأربعاء، في لقاء هو الرابع بين الرئيسين منذ عودة العلاقات السورية الأميركية عقب سقوط نظام بشار الأسد.
ويأتي الاجتماع في ظل تطور متسارع في مسار العلاقات الثنائية، وتزايد الحديث عن دور أميركي أكثر فاعلية في ملفات المنطقة، وفي مقدمتها المفاوضات السورية الإسرائيلية.
وأعلن البيت الأبيض أن ترامب سيلتقي نظيره الشرع بعد ظهر الأربعاء، على هامش أعمال قمة حلف شمال الأطلسي" الناتو" في أنقرة، وذلك وفق ما أكدته المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي خلال مؤتمر صحافي، في خطوة تعكس استمرار الزخم السياسي بين دمشق وواشنطن منذ إعادة فتح قنوات التواصل بين البلدين.
ويحمل اللقاء أهمية خاصة لكونه يأتي بعد ثلاثة اجتماعات سابقة جمعت الرئيسين خلال العام الماضي، في إطار مسار شهد تحولات غير مسبوقة في العلاقات السورية الأميركية، بعد سنوات طويلة من القطيعة السياسية.
الملف السوري الإسرائيلي يتصدر الأجندةوفي قراءة لأبعاد الاجتماع المرتقب، رأى الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن تكرار اللقاءات بين الرئيسين يعكس انتقال العلاقات بين دمشق وواشنطن إلى مرحلة جديدة، مؤكداً أن" الانفتاح الدبلوماسي السوري خلال المرحلة الماضية أسهم في بناء شراكة سياسية مختلفة، حظيت بدعم واضح من الإدارة الأميركية والرئيس ترامب، الذي أبدى اهتماماً بإنجاح التجربة السورية الجديدة".
وأوضح خليل أنّ الملف السوري الإسرائيلي سيكون في مقدمة القضايا المطروحة خلال الاجتماع، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة" لم تعد تؤدي دور الوسيط التقليدي بين دمشق وتل أبيب، بل أصبحت الراعي الرئيسي للمفاوضات الجارية بين الجانبين، وهو ما يمنح واشنطن دوراً مباشراً في رسم ملامح أي تفاهمات مستقبلية".
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي سبق أن طرح خلال أول لقاء جمعه بالرئيس الشرع في مايو/ أيار 2025 فكرة انضمام سورية ولبنان إلى الاتفاقيات التطبيعية، إلا أن الموقف الأميركي شهد لاحقاً تغيراً في سقف التوقعات، حيث بات التركيز ينصب على التوصل إلى اتفاق أمني أو تفاهم لوقف الاعتداءات، باعتباره خطوة تمهيدية قد تفتح المجال مستقبلاً أمام ترتيبات سياسية أوسع إذا توافرت الظروف المناسبة.
وأكد الخبير السوري أن" الظروف الحالية لا تسمح بإبرام معاهدة سلام شاملة بين سورية وإسرائيل"، معتبراً أن سياسات الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، وما وصفها" بحالة التخبط وفقدان التوازن الاستراتيجي"، تجعل الوصول إلى اتفاق نهائي" أمراً غير واقعي في المرحلة الراهنة، في ظل استمرار التوترات الأمنية والإقليمية".
وأضاف أن إسرائيل، وفق هذا التقدير، تحاول توظيف التصعيد العسكري والضغوط الأمنية في الساحة السورية لتحسين موقعها في أي تسويات إقليمية مقبلة، " في وقت تتزايد فيه الخلافات بين الإدارة الأميركية وحكومة اليمين الإسرائيلي بشأن عدد من ملفات المنطقة، وعلى رأسها الجبهتان، السورية واللبنانية".
وتطرق خليل إلى المقترح الذي كان قد طرحه ترامب قبل أسابيع بشأن إمكانية تدخل الجيش السوري ضد حزب الله في لبنان، مذكّراً بأن دمشق" رفضت العودة إلى نهج التدخل العسكري الذي كان سائداً في عهد النظام السابق، وأكدت أنها تسعى إلى الإسهام في استقرار لبنان عبر مقاربة سياسية، انطلاقاً من رؤية أعلنها الرئيس أحمد الشرع تقوم على أن تكون سورية جزءاً من الحل، وليس جزءاً من الأزمات".
ولفت المتحدث ذاته، إلى أنّ العلاقات بين دمشق وواشنطن" شهدت خلال الأشهر الماضية قفزات سياسية كبيرة"، مشيراً إلى أن مسؤولين أميركيين، بينهم الرئيس ترامب والمبعوث الأميركي توم برّاك، تحدثوا عن سورية باعتبارها ركناً أساسياً في استقرار الشرق الأوسط، ودولة مرشحة للقيام بأدوار إقليمية مؤثرة في المرحلة المقبلة.
وأضاف خليل أن الإدارة الأميركية تنظر إلى سورية الجديدة بوصفها شريكاً في تعزيز الأمن الإقليمي، بعد التحولات التي شهدتها البلاد، والتي شملت إنهاء حالة العزلة الدولية، والانتقال من مرحلة ارتبطت بالملفات الأمنية وشبكات تهريب الكبتاغون إلى مرحلة جديدة تقوم على التعاون السياسي والدبلوماسي مع محيطها الإقليمي والدولي.
3 لقاءات جمعت ترامب والشرعويأتي الاجتماع المرتقب امتداداً لسلسلة من اللقاءات التي جمعت الرئيسين خلال العام الماضي، إذ كان أول لقاء بينهما في 14 مايو/ أيار 2025 في العاصمة السعودية الرياض على هامش القمة الخليجية الأميركية، بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، فيما شارك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الاجتماع عبر تقنية الاتصال المرئي.
وتبع ذلك لقاء ثانٍ على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 25 سبتمبر/ أيلول 2025.
قبل أن يجري الشرع زيارة رسمية لواشنطن في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، التقى خلالها ترامب للمرة الثالثة في البيت الأبيض، في أول زيارة لرئيس سوري إلى الولايات المتحدة منذ استقلال سورية عام 1946، وذلك بعد أيام من شطب اسم الشرع من قوائم الإرهاب الأميركية والدولية.
ويترقب مراقبون ما ستسفر عنه مباحثات أنقرة، في ظل توقعات بأن تشكل محطة جديدة في مسار التقارب السوري الأميركي، وأن تحدد ملامح المرحلة المقبلة في ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها المفاوضات السورية الإسرائيلية، والدور الذي تسعى واشنطن إلى أن تضطلع به دمشق ضمن ترتيبات الأمن والاستقرار في المنطقة.
واعتبر المحلل السياسي غازي دحمان، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن انتقال الشرع والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي زار دمشق، معاً إلى تركيا للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث من المنتظر أن يلتقي الرئيس السوري مجدداً ترامب، " يمنح الدور السوري في المنطقة بعداً دولياً".
وأوضح أن اللقاء المرتقب بين الشرع وترامب" يحمل أهمية سياسية كبيرة، إذ يعكس استمرار الانفتاح الدولي على سورية الجديدة، ويؤكد انتقالها من مرحلة العزلة إلى مرحلة المشاركة في رسم التوازنات الإقليمية والدولية".
وأضاف أنّ" مرافقة الرئيس الفرنسي لنظيره السوري تحمل رسالة دعم أوروبية واضحة، تعزز موقع باريس بوصفها الجسر الرئيسي بين دمشق والعواصم الغربية".
وبيّن دحمان أن من المتوقع أن يتناول اللقاء المرتقب" التطورات الإقليمية، ولا سيما الوضع في لبنان والدور السوري المطلوب هناك، وسط دعم فرنسي يبدو أنه يتجه إلى جعل هذا الدور داعماً للسلطة اللبنانية، وليس صدامياً مع حزب الله".
ورأى أن ذلك" يتطلب من الرئيس الشرع التحلّي بأعلى درجات التوازن في التعامل مع الزعيمين، الفرنسي والأميركي، اللذين يحاول كل منهما استقطابه إلى جانبه، رغم التوترات غير الخفية بينهما، والتي وصلت إلى حد سخرية ترامب علناً من الرئيس الفرنسي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك