أصبح" الأمن القومي" من أكثر الأدوات استخداماً لتجريم العمل الصحافي حول العالم، بعدما توسع من إطار حماية الدولة من التهديدات العسكرية والتجسس إلى مبرر لملاحقة الصحافيين ومحاكمتهم وسجنهم، بل وقتلهم في بعض الحالات، بحسب تقرير جديد أصدرته منظمة مراسلون بلا حدود بعنوان" الأمن القومي سلاحاً ضد الصحافة".
تركز" مراسلون بلا حدود"، في تقريرها الصادر باللغة الإنكليزية اليوم الأربعاء، على ثلاثة أسماء تراها تجسيداً لهذا التحول: الصحافي السعودي تركي الجاسر الذي أُعدم في يونيو/حزيران 2025، والصحافية الفيليبينية فرينتشي ماي كومبيو والصينية تشانغ جان اللتان زُج بهما في السجن.
وثلاثتهم، بحسب المنظمة، حوكموا باسم" الأمن القومي" لمجرد ممارستهم العمل الصحافي.
الصحافيون الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية أيضاً على رأس هذه القائمة، إذ اعتقلتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي وعذبتهم، بموجب قوانين يفترض أن تكون استثنائية، لكنها أصبحت تُستخدم على نطاق واسع ضد الفلسطينيين بذريعة" مكافحة الإرهاب" و" الأمن القومي".
ترى المنظمة أن ما يجري يمثّل اتجاهاً عالمياً متسارعاً.
فمنذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، توسع مفهوم الأمن القومي كثيراً، ولم يعد مقتصراً على قضايا التجسس أو الدفاع أو الإرهاب، بل امتد إلى مجالات مثل الأمن السيبراني والهجرة والمعلومات المضللة والصحة العامة، وحتى تغير المناخ؛ ما منح الحكومات أدوات قانونية أكثر لملاحقة الصحافيين الذين يغطون هذه الملفات.
وتشدد على أن تهم الإرهاب والتآمر والعمل ضد المصالح الوطنية تحولت إلى أدوات سياسية لتشويه صورة الصحافة أمام الرأي العام.
وتحذر من أن هذا التوسع ترافق مع تراجع غير مسبوق في البيئة القانونية للعمل الصحافي، وهو ما انعكس في انخفاض المؤشر القانوني ضمن التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2026، نتيجة انتشار التشريعات المقيدة وإساءة استخدام قوانين الأمن القومي والاعتماد المتزايد على القضاء لتقييد الإعلام.
تخصص" مراسلون بلا حدود" مساحة واسعة لفلسطين في تقريرها، فهي تمثل أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على توظيف مفهوم الأمن القومي ضد الصحافة.
وتلفت إلى أن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة جعلت الصحافيين أهدافاً مباشرة، في وقت لا يزال فيه منع الصحافيين الأجانب من دخول القطاع يحرم العالم من التغطية المستقلة، ويترك الصحافيين الفلسطينيين وحدهم في مواجهة الحرب ونقل وقائعها.
ينقل التقرير عن المديرة العامة لوكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، نسرين الزعنون، قولها إن الإجراءات الأمنية الإسرائيلية" ألحقت ضرراً بالغاً بعمل الصحافيين الذين فقدوا خلال ثلاث سنوات كل شعور بالأمان"، مضيفة أن منع الصحافيين الأجانب من دخول غزة، إلى جانب انعدام الأمن الشخصي، أضر كثيراً بتغطية الحرب.
وترى أن ذلك متعمد، ويهدف إلى" ترهيب الصحافيين وعزلهم وتجريدهم من قدرتهم على نقل الحقيقة إلى العالم".
أما في الضفة الغربية والقدس الشرقية، فتفيد المنظمة بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي تستخدم الأمن القومي بصورة متكررة مبرراً لاستجواب الصحافيين عند الحواجز العسكرية، وتفتيشهم ومضايقتهم، ومداهمة منازلهم، واعتقالهم، وإخضاعهم لمحاكمات مغلقة بتهم مرتبطة بالأمن، ثم احتجازهم إدارياً في السجون الإسرائيلية.
ترصد المنظمة الحقوقية نماذج أخرى في العالم العربي، بينها السعودية والجزائر ومصر.
ففي السعودية، يذكر التقرير أن السلطات تستخدم طيفاً من الاتهامات المرتبطة بالأمن القومي، من بينها" الإرهاب الاقتصادي" و" التواصل مع جهات معادية للمملكة".
ويستشهد بقضية المدون وكاتب الرأي عصام الزامل الذي حكم عليه بالسجن 15 عاماً بعد انتقاده خطة خصخصة شركة أرامكو، وكذلك رسام الكاريكاتير محمد أحمد الغامدي المحكوم بالسجن 23 عاماً لنشر رسوم في صحيفة قطرية خلال فترة الحصار الرباعي، إضافة إلى الصحافي تركي الجاسر الذي نفذت بحقه عقوبة الإعدام.
الأمن القومي المبرر الأكثر شيوعاً لاعتراض الاتصالات ومراقبة المصادريتطرق التقرير أيضاً إلى الجزائر، مستشهداً بقضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز الذي حكم عليه بالسجن سبع سنوات بتهم" تمجيد الإرهاب" و" حيازة منشورات تضر بالمصلحة الوطنية"، بعدما كان يجري تحقيقاً صحافياً عن نادي شبيبة القبائل.
تقول المنظمة إن القضية تمثل نموذجاً لاستخدام مفاهيم الأمن القومي ضد الصحافة المهنية.
أما مصر، فهي ضمن أبرز الدول التي تُستخدم فيها التهم المتعلقة بـ" الأمن القومي" و" الإرهاب" لإسكات الصحافيين، وقد سجّلت واحداً من أكبر التراجعات في المؤشر القانوني لحرية الصحافة خلال عام 2026، إذ جاءت في المرتبة 169 من أصل 180 دولة.
أشارت" مراسلون بلا حدود" إلى أن ما لا يقل عن نصف الصحافيين الثمانية عشر المحتجزين حالياً في السجون المصرية يواجهون اتهامات من قبيل" تهديد الأمن القومي" أو" الانضمام إلى تنظيم إرهابي"، بينما تؤكد المنظمة أنهم في الواقع سُجنوا بسبب مقالاتهم وآرائهم وتحقيقاتهم التي شككت في سياسات السلطة أو انتقدتها.
في تركيا، تُستخدم تهم الأمن القومي بتكرار ضد الصحافيين الذين يحققون في التدخلات العسكرية الخارجية لأنقرة، وتستشهد المنظمة بالحكم الصادر بحق الصحافيَّين ميسر يلدز وإسماعيل دوكل بسبب تغطيتهما العمليات العسكرية التركية في ليبيا وسورية.
فرنسياً، يشير التقرير إلى توقيف الصحافية أريان لافريو بعد تحقيقاتها بشأن عملية عسكرية سرية بين فرنسا ومصر، إضافة إلى استجواب نحو ثلاثين صحافياً خلال السنوات الأخيرة في قضايا تتعلق بأسرار الدفاع أو الأمن القومي، رغم أن فرنسا من الدول المتقدمة في مؤشر حرية الصحافة.
يرصد التقرير توسع استخدام تقنيات المراقبة الرقمية والتجسس على الصحافيين، من برامج مثل" بيغاسوس" و" بريداتور"، إلى أنظمة المراقبة الجماعية في الصين، معتبراً أن الأمن القومي أصبح المبرر الأكثر شيوعاً لاعتراض الاتصالات ومراقبة المصادر وتشجيع الرقابة الذاتية داخل غرف الأخبار.
تخلص" مراسلون بلا حدود" إلى أن الحكومات باتت" تتعلم من بعضها بعضاً" كيفية استخدام القضاء لتصوير الصحافة الاستقصائية والمعارضة السياسية على أنها أعمال تخريب أو فتنة أو تهديد للأمن، محذرة من أن استمرار هذا النهج يقوض ليس فقط حرية الصحافة، بل حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات ومحاسبة السلطات.
وتؤكد المديرة التحريرية للمنظمة، آن بوكانديه، أن مفهوم الأمن القومي" ينحرف تدريجياً عن غايته الأصلية ليتحول، في كثير من السياقات، إلى أداة للإكراه والترهيب والرقابة"، وتضيف أن الدفاع عن الصحافيين المستهدفين بهذه الذريعة هو دفاع عن حق المجتمع في المعرفة، لأن" الصحافة ليست جريمة ضد الدولة، بل إحدى آخر الضمانات في مواجهة التعسف وإساءة استخدام السلطة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك