لم تنتظر زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان طويلاً بعد خروجها من محكمة الاستئناف في باريس، أمس الثلاثاء، لتغلق الباب على أي نقاش حول ترشيح جوردان بارديلا، رئيس التجمع الوطني، بدلاً منها للانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في إبريل/نيسان 2027.
فبعد ساعات فقط على تثبيت المحكمة إدانتها في قضية تتعلق باستخدام أموال أوروبية لدفع رواتب موظفين كانوا يعملون لحساب حزبها في فرنسا، أعلنت لوبان، خلال لقاء على قناة" تي إف 1"، أنها ستكون مرشحة الحزب في انتخابات 2027، وأنها ستطعن في الحكم الصادر بحقها أمام محكمة النقض.
ولم تقدّم قرارها بوصفه احتمالاً يحتاج إلى نقاش داخل قيادة" التجمع الوطني"، بل باعتباره بداية فعلية لحملتها، إذ قالت إنها لن تغيّر رأيها، بل ستبدأ حملتها" بدءاً من هذا المساء"، مضيفةً أنها واثقة بأنها ستخوض السباق" من دون سوار إلكتروني".
مارين لوبان مدانة قضائياًولم يبرّئ الحكم لوبان، لكنه أزال العقبة الأساسية التي كانت تواجه ترشحها.
فقد أكدت المحكمة إدانتها بتهمة اختلاس أموال عامة، لكنها خففت عقوبة عدم الأهلية الانتخابية إلى 45 شهراً، من بينها 30 شهراً مع وقف التنفيذ، فيما اعتُبرت الأشهر الـ15 النافذة منفّذةً بالفعل منذ صدور الحكم الابتدائي في 31 مارس/آذار 2025.
وبهذا، صار طريق الترشح مفتوحاً أمامها في إبريل 2027، موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولو أن الإدانة نفسها، بما تحمله من معان سياسية وأخلاقية، ستلازمها طيلة حملتها.
وتبقى قضية السوار الإلكتروني أساسية هنا، لأن ترشح لوبان لم يكن معلقاً على عدم الأهلية وحدها.
فقد كرّرت ابنة مؤسس اليمين المتطرف الفرنسي، في أكثر من مناسبة، أنها لن تخوض حملة رئاسية إذا وجدت نفسها تحت مراقبة تحدّ من حركتها، معتبرة أن مرشحي الرئاسة لا يستطيعون انتظار إذن قضائي كي يعقدوا تجمعاً انتخابياً أو يتجوّلوا بين مدن فرنسا وأسواقها.
غير أن المحكمة قضت بسجنها ثلاث سنوات، من بينها سنتان مع وقف التنفيذ وسنة واحدة قابلة للتنفيذ في المنزل تحت المراقبة الإلكترونية، إضافة إلى غرامة قدرها 100 ألف يورو.
ووجدت لوبان في الطعن أمام محكمة النقض مخرجاً من هذا المأزق، لأن من شأنه أن يعلّق تنفيذ العقوبة إلى حين صدور قرار نهائي، ما يتيح لها تقديم ترشحها على أنه لا يخالف ما قالته سابقاً، باعتبار أنها ستخوض حملتها من دون وضع السوار.
واختارت مارين لوبان الاستعجال في حسم ترشحها لا لتخفيف وقع الحكم فحسب، بل لإغلاق الطريق أمام طرح اسم بارديلا بديلاً منها.
فكل يوم كان سيمر من دون إعلانها هذا، كان سيمنح حجة إضافية للقائلين بترشح بارديلا، على أساس أن رئيس الحزب الشاب قادر على دخول الرئاسيات من دون إدانة، ومن دون عقوبة تضع تنقلاته تحت رقابة قضائية.
لذلك، بدا إعلانها ترشحها موجهاً إلى" التجمع الوطني" بقدر ما كان موجهاً إلى الناخبين، إذ أرادت لوبان أن تقول إن الحكم لم يفتح مرحلة انتقالية داخل" التجمع"، وإن بارديلا يبقى في موقع الشريك في الحملة، لا في موقع البديل.
والحال أن بارديلا تحوّل، خلال الأشهر الأخيرة، إلى أكثر من مجرد مرشح احتياطي في حال تعذّر ترشح لوبان.
فقد اتسع حضوره داخل الحزب وخارجه، مستنداً إلى رئاسته لـ" التجمع الوطني"، وإلى ظهوره الإعلامي المتواصل، ومحاولته بناء صورة أكثر حيوية وشباباً لليمين المتطرف، فضلاً عن عمله على نسج علاقات أوسع خارج الدائرة الحزبية، خصوصاً مع أوساط اقتصادية كان" التجمع الوطني" يسعى منذ سنوات إلى طمأنتها، من دون نجاح يذكر.
وعكست استطلاعات الرأي هذا الدور المتنامي، إذ أظهر استطلاع" إيفوب فيدوسيال"، الصادر نهاية يونيو/حزيران الماضي، تفوّق بارديلا على لوبان نفسها في نيّات التصويت بالدور الأول من الانتخابات، بحصوله على 36% في سيناريو ترشحه، مقابل 32% للوبان.
وشهدت السنة الماضية، في ظل احتمال تعذّر ترشح لوبان، تشكّل دائرتين داخل الحزب اليميني المتطرف، إحداهما حول زعيمته ومرشحته في الاستحقاقات الرئاسية السابقة، والأخرى حول رئيسه الشاب.
فأنصار مارين لوبان يراهنون على القاعدة التي بنتها خلال حملاتها السابقة وعلى قدرتها، هذه المرة، على الذهاب أبعد مما ذهبت إليه في 2017 و2022، فيما يرى أنصار بارديلا في صعوده فرصة لضخ دماء جديدة في السباق، وتقديم اسم لا يرتبط بملف قضائي ولا حتى باسم عائلة لوبان وماضيها، الذي يسعى" التجمع الوطني" إلى التفلّت منه.
وهذا ما يشرح إصرار لوبان، خلال لقائها التلفزيوني أمس، على تقديم زميلها الشاب في الحزب بوصفه شريكاً لها، ضمن ما سمّته" ثنائياً رابحاً"، قائلةً إنهما سيبدآن الحملة معاً، وإنه سيكون رئيس حكومتها إذا فازت.
وهو ما عادت وحاولت تأكيده مرة أخرى اليوم الأربعاء، حين ظهر الثنائي في زيارة إلى مدينة لا فليش، في منطقة سارت، في أول جولة علنية لها بعد الحكم.
وعادت لوبان لتكرر، أمام الإعلام، أنها ستخوض السباق برفقة بارديلا، الذي ظهر أمام الشاشات في الموقع الذي تريده له زعيمة الحزب، أي بوصفه داعماً في الحملة ومكمّلاً لها، لا اسماً منافساً.
وإذا كان من شأن إعادة ترتيب الأدوار هذه أن تضبط الصفوف داخل الحزب، على الأقل أمام الإعلام، فإن ذلك لا يضمن للوبان أن يمر الحكم القضائي من دون أثر على حملتها ومؤيدي" التجمع الوطني".
فإذا كان القرار قد مثّل انفراجة بالنسبة إلى قاعدتها التقليدية ولا سيما بين الشرائح الأكبر سناً، التي ترى فيها الاسم الذي حمل الحزب إلى الدور الثاني من الرئاسيات مرتين ورسّخ حضوره في المدن الصغيرة والأرياف والأوساط الشعبية المحافظة، فإن السؤال يبقى مطروحاً حول الشريحة الأصغر سناً، والأقل ارتباطاً بتاريخ عائلة لوبان، والتي باتت تعرف بارديلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما تعرف برنامج الحزب وتاريخ زعيمته.
وقد تجد لوبان صعوبة في إقناع هذا الجمهور الشاب بأن الرجل الذي بدا، خلال الأشهر الماضية، مرشحاً ممكناً ومتقدماً عليها في بعض الاستطلاعات، عاد الآن ليصبح رقماً ثانياً في المعادلة.
وقد تفتح خيبة الأمل هذه الباب على توتر داخل قاعدة الحزب، مع انتشار دعوات خلال الساعات الماضية تطالب بخروج بارديلا من عباءة لوبان، كما فعل رئيس" حزب فرنسا" اليميني المتطرف، توما جولي، الذي دعا بارديلا إلى عدم الانصياع لقرار لوبان والدعوة إلى انتخابات تمهيدية داخل حزبه لكي يختار ناخبوه مرشحهم للرئاسة.
وأياً يكن، فإن" التجمع الوطني" يبدو مشغولاً بالانتقال سريعاً إلى ما بعد الحكم وطيّ الصفحة القضائية، متعاملاً مع إدانة مارين لوبان كما لو كانت تفصيلاً يمكن تجاوزه بتصريحات إعلامية وبجعل النقاش يدور بشكل أساسي حول الحملة الانتخابية.
هذا ما حاولت لوبان فعله منذ الساعات الأولى، حين تحدثت عن أن القضاء ضمن" حق الفرنسيين في الاختيار"، وحين نقلت النقاش من عقبة السوار الإلكتروني إلى الطعن أمام محكمة النقض، ومن بارديلا بوصفه بديلاً إلى بارديلا باعتباره شريكاً.
غير أن هذا الخطاب، وإن بدا فعّالاً في الأيام الأولى التي تلي الحكم وقادراً على صرف الأنظار عن واقع الإدانة، لا يغيّر من حقيقة أن الإدانة زادت من قتامة الصورة التي كان الحزب يسعى لتبييضها خلال الأشهر الماضية، عبر التفلت من ماضيه العنصري وإظهار نفسه حزباً" عادياً".
وإذا كانت قاعدة" التجمع الوطني" متماسكة إلى درجة تحول دون وقوع شقاق أو تردد في صفوف ناخبيه، فإن إدانة مارين لوبان وفريقها باختلاس أموال أوروبية لمصلحة حزبها وموظفيه قد تقلل من قدرة" التجمع الوطني" على إقناع ناخبين من خارج دوائره التقليدية، رغم حاجة الحزب الكبيرة إلى هذه الأصوات إذا ما أراد الذهاب أبعد من الدور الأول وتجاوز جبهة شعبية لطالما حالت دون وصوله إلى السلطة خلال الدور الثاني من الانتخابات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك