اعتبر السكرتير السابق لـ" جبهة القوى الاشتراكية" عبد المالك بوشافة، في حديث مع" العربي الجديد"، أن النتائج التي حققتها أحزاب التيار الديمقراطي والتقدمي في الانتخابات التشريعية الجزائرية تعكس أزمة سياسية وتنظيمية عميقة تعيشها هذه القوى، مؤكداً أنها مطالبة بإجراء مراجعات ضرورية قبل الانتخابات المحلية والولائية المقررة نهاية العام الجاري.
وقال بوشافة إن مجموع ما حصلت عليه أحزاب الكتلة الديمقراطية، وهي" جبهة القوى الاشتراكية" و" حزب العمال" و" التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" و" جيل جديد" و" التحالف الجمهوري"، والبالغ نحو 23 مقعداً، لا يعني بالضرورة اضمحلال التيار الديمقراطي، لكنه يعكس أن هذه الأحزاب تمر بإحدى أصعب مراحلها منذ سنوات.
وأضاف أن نتائج تشريعيات 2026 ليست مجرد خسارة انتخابية عابرة، بل تعبر عن أزمة سياسية وتنظيمية تراكمت عبر الزمن.
وأشار إلى أن هذه النتيجة لا يمكن فصلها عن السياق العام للحياة السياسية في الجزائر، الذي يتسم بتراجع الثقة في العمل السياسي والانتخابي، معتبراً أن السلطة تتحمل المسؤولية الأكبر باعتبارها الطرف الذي يرسم قواعد الممارسة السياسية ويحدد مدى اتساع المجال العام ويؤثر في شروط المنافسة والتعددية وتكافؤ الفرص، وهو ما يجعل أحزاب المعارضة أول المتضررين.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذا العامل لا يعفي الأحزاب الديمقراطية من مسؤوليتها الذاتية.
وأوضح بوشافة أن هذه الأحزاب عانت خلال السنوات الأخيرة أزمات تنظيمية متراكمة وصراعات داخلية استنزفت طاقاتها، إلى جانب ضعف تجديد النخب والقيادات، وتراجع العمل القاعدي والميداني، وعجزها عن تطوير خطاب سياسي يواكب التحولات التي يشهدها المجتمع الجزائري ويستجيب لانشغالات الأجيال الجديدة.
وأضاف أنها فقدت في كثير من الحالات وظيفتها الأساسية قوةً للتأطير السياسي والاجتماعي، وأصبح حضورها يقتصر على المواعيد الانتخابية، بينما غاب حضورها اليومي داخل المجتمع، مؤكداً أن الأحزاب تبني نفوذها عبر العمل الميداني المتواصل وإنتاج الأفكار والدفاع عن قضايا المواطنين وصناعة الثقة.
ورأى أن بعض هذه الأحزاب اعتمدت لفترة طويلة على رصيدها التاريخي ورمزيتها النضالية أكثر من اعتمادها على قدرتها على إنتاج مشروع سياسي متجدد، مؤكداً أن الشرعية التاريخية، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان الاستمرار في مجتمع يتغير بسرعة ويبحث عن حلول جديدة أكثر من استحضار الماضي.
واعتبر أن هذه النتائج تمثل جرس إنذار أكثر منها إعلاناً لنهاية التيار الديمقراطي، محذراً من أن عدم المبادرة إلى مراجعات سياسية وتنظيمية عميقة لاستعادة ثقة المواطنين وتجديد المشروع السياسي سيقود إلى مزيد من التراجع، فيما ستظل الحاجة قائمة إلى قوى ديمقراطية قوية وذات مصداقية لأن الأفكار لا تموت، وإنما قد تضعف الأحزاب التي تحملها.
وأكد بوشافة أن السؤال لم يعد ما إذا كان التيار الديمقراطي قد انتهى، بل ما إذا كانت أحزابه تمتلك الإرادة السياسية والشجاعة التنظيمية لإعادة بناء نفسها قبل أن يتحول تراجعها إلى أزمة بنيوية يصعب تجاوزها.
وأضاف أنه مع اقتراب الانتخابات المحلية والولائية، يصبح من الضروري تجاوز القراءة الانتخابية الضيقة والانتقال إلى مساءلة الشروط الحقيقية التي تصنع النجاح السياسي، معتبراً أن الانتخابات المحلية المقبلة يجب أن تكون محطة لإعادة بناء التنظيم قبل البحث عن توسيع التمثيل، وأن الرهان الحقيقي ليس الفوز بالمقاعد، وإنما استعادة حزب قادر على الإنصات والتأطير والتجديد وصناعة الثقة، لأن الأحزاب القوية لا تقاس بعدد المنتخبين، بل بصلابة تنظيمها ونوعية نخبها وجرأتها على قول الحقيقة مهما كانت مؤلمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك