وصلت الخلافات الأمريكية- الإسبانية إلى الذروة بقرار الرئيس دونالد ترامب وقف التجارة مع مدريد.
وذهب الرئيس الأمريكي الغاضب إلى نعت إسبانيا بـ" الشريك السيء" أثناء لقائه أمين عام" الناتو" مارك روته على هامش القمة، وفق وكالة" رويترز".
التصعيد الأخير من منبر الناتو في قمة أنقرة، يأتي بعد أسابيع من رفض الحكومة الإسبانية رفع إنفاقها الدفاعي الذي تطالب به واشنطن حلفاءها الأوروبيين إلى 5% من الناتج المحلي، إضافة إلى منع القوات الأمريكية من استخدام القواعد والأجواء الإسبانية في عمليات واشنطن العسكرية ضد طهران منذ 28 فبراير (شباط).
واليوم، أمر الرئيس الأمريكي ترامب خلال قمة حلف شمال الأطلسي المنعقدة في أنقرة، بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا.
بالقول: " إسبانيا قضية خاسرة.
لا نرغب في أي تعاملات تجارية معها بعد الآن.
بالمناسبة، أود قطع العلاقات معها.
إسبانيا شريك سيئ في حلف شمال الأطلسي.
إنهم لا يشاركون ولا يدفعون.
لا أريد أي علاقة مع إسبانيا.
يجب قطع جميع أشكال التجارة معها، بما في ذلك الزيارات"، وفق" رويترز".
في المقابل، يعلق مكتب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بأن" تصريحات ترامب لم تفاجئه"، مشيراً إلى أن" العلاقات الثنائية تعود بالنفع على البلدين".
وتشير وكالة رويترز إلى أن إعلان ترامب لا يعني" وقفاً فورياً للتجارة مع إسبانيا"، إذ يتطلب تنفيذه تحديد السند القانوني ونطاق الحظر والجهات المكلفة بتطبيقه، إضافة إلى وضع استثناءات وتعليمات للجمارك والمؤسسات المالية والشركات.
على إثره، يستغرق فرض قيود محدودة أياماً أو أسابيع، بينما يحتاج تطبيق حظر تجاري شامل إلى أسابيع أو عدة أشهر.
تعود جذور العلاقات بين أمريكا وإسبانيا إلى القرن الثامن عشر، بعد اعتراف الأخيرة باستقلال الولايات المتحدة عام 1783.
وانقطعت العلاقات خلال الحرب الإسبانية- الأمريكية عام 1898، قبل أن تُستأنف في العام التالي.
وفي 1953، دخلت العلاقات مرحلة استراتيجية جديدة بتوقيع اتفاقيات دفاعية بعد 8 سنوات على انتهاء الحرب العالمية الثانية، بحيث سمحت بانتشار عسكري أمريكي في إسبانيا، لتصبح قاعدتا" روتا" البحرية و" مورون" الجوية من أهم ركائز التعاون الأمني بين البلدين.
وتعززت الشراكة بانضمام إسبانيا إلى" الناتو" في 1982، لتصبح شريكاً مهماً للولايات المتحدة في البحر المتوسط وشمال أفريقيا.
اقتصادياً، ترتبط الدولتان بعلاقات تجارية واسعة؛ إذ وصلت التجارة البينية بينهما في 2025 إلى 48 مليار دولار، مع فائض لمصلحة أمريكا، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي.
طفت معالم الأزمة في يونيو (حزيران) 2025، بعد رفض حكومة بيدرو سانشيز الالتزام بهدف الإنفاق العسكري 5% من الناتج المحلي، وتمسكت بمستوى 2.
1% على اعتبار أنه يلبي طلبات الحلف.
وبعدها صعد ترامب لهجته في أكتوبر (تشرين الأول) من ذات العام، واقترح فكرة إخراج إسبانيا من الناتو، كما هدد بفرض رسوم وعقوبات تجارية على مدريد.
وتحول النزاع من مسألة مالية إلى مواجهة استراتيجية في مارس (أذار) 2026، بعد رفض إسبانيا استخدام قاعدتي" روتا" و" مورون" في الحرب الأمريكية على إيران، ما ترتب عليه مغادرة 15 طائرة أمريكية للقواعد الإسبانية، قبل أن تشدد مدريد القيود لاحقاً على استخدام مجالها الجوي للطائرات المشاركة في الحرب، حسب رويترز.
وفي نيسان (أبريل) 2026، طرحت وزارة الدفاع الأمريكية" البنتاغون" في مذكرة داخلية اقتراحات لمعاقبة إسبانيا، بينها تعليق عضويتها في الناتو، إلا أن الخيارات بقيت في إطار النقاش ولم تترجم إلى قرار فعلي.
يختلف وضع إسبانيا عن بقية الدول الأعضاء في الناتو.
ففي إيطاليا بقي الخلاف في إطار الضغط والتفاوض رغم المناوشات والمشاكسات على مستوى القيادة.
وظلت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني عند موقفها الرافض لنهج الرئيس الأمريكي في الإنفاق الدفاعي أو حرب إيران.
وشهدت العلاقات مع روما سجالاً شخصياً علنياً؛ إذ قال ترامب إن" علاقته بميلوني أصبحت سيئة بعض الشيء" بسبب رفضها مساعدة واشنطن في حرب إيران، معتبراً أنها" ارتكبت خطأً".
ومع ذلك، لم تصل الخلافات إلى حد التهديد بقطع التجارة أو طرد إيطاليا من الناتو كما حدث مع إسبانيا.
ويعود ذلك إلى استمرار ميلوني في الدفاع عن علاقة البلدين عبر الأطلسي، ورفع روما لإنفاقها الدفاعي والأمني إلى 2.
8% في 2026، وفق رويترز.
ولم تقف تهديدات ترامب عند هذين البلدين، إذ سبق وانتقد ألمانيا على حجم إنفاقها الدفاعي، ما دفع المستشار فريدريش ميرتس إلى الرد بأن" برلين تضاعف ميزانيتها خلال 4 سنوات، وستلامس هدف 3.
5% بحلول 2029".
وتشكل الدنمارك نقطة الخلاف الأخطر سياسياً، إثر مطالبة ترامب بالسيطرة على جزيرة غرينلاند، ما لقي رفضاً شديداً في كوبنهاغن وباقي الأوساط الأوروبية.
ورغم ذلك، أعاد الرئيس الأمريكي خلال قمة الناتو الحالية في أنقرة، طرح مطلب خضوع غرينلاند للسيطرة الأمريكية، في ظل تمسك الدنمارك وغرينلاند بأن مستقبل الجزيرة لا يقرره سوى سكانها، ما يجعل الأزمة مصدر توتر مفتوح بين واشنطن وحلفائها داخل الناتو، حسب رويترز.
هل يستطيع ترامب طرد إسبانيا؟لا تتضمن معاهدة الناتو أو كما تعرف بـ" معاهدة واشنطن المؤسسة لحلف شمال الأطلسي"، أي مادة تسمح بطرد دولة عضو أو تعليق عضويتها، وتنظم المادة 13 من المعاهدة الانسحاب الطوعي فقط، إذ تستطيع الدولة مغادرة الحلف بعد تقديم إشعار رسمي، على أن يصبح الانسحاب نافذاً بعد مرور عام على تقديمه.
ورغم النفوذ الكبير للولايات المتحدة داخل الناتو، إلا أنها لا تملك سلطة طرد أي عضو بمفردها، إذ تتخذ قرارات الحلف بالتوافق، وعليه، بإمكان ترامب فرض ضغوط تجارية وعسكرية وسياسية على إسبانيا، أو تقليص مستوى التعاون الثنائي معها، لكنه لا يستطيع الانفراد بقرار إنهاء عضويتها في الحلف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك