هناك، فوق هضبة الأناضول، حيث تجتمع قمة منظمة حلف شمال الأطلسي الناتو، بدا المشهد مثقلاً بالرموز والدلالات، لكن الحدث الأكبر لم يكن في أروقة الحلف أو في ملفات الأمن الأوروبي؛ بل جاء عبر كلمة مقتضبة، حادة وعاصفة، ألقاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يجلس إلى جوار الأمين العام للحلف،وقف ترامب ليعلن بعبارات لا تحتمل اللبس، وبمنطقه البراجماتي الهجومي المعهود، أن مذكرة التفاهم مع إيران قد إنتهت؛ بل قال نصاً: بالنسبة لي، أظن أن الأمر إنتهى.
إنها مجرد مضيعة للوقت،حين نتأمل هذا المشهد، فإننا لا ننظر إلى مجرد تصريح صحفي عابر، وإنما نحن أمام لحظة كاشفة لسياسة القوة التدميرية، إن إعلان إنهيار هذه المذكرة التي وُلدت هشة في السابع عشر من يونيو الماضي ولم تعش سوى ثلاثة أسابيع من قلب قمة الناتو في تركيا، يحمل رسائل إستراتيجية مشحونة وموجهة إلى أطراف عدة في آن واحد،هذا الإنهيار كان محتوماً لقد بُنيت المذكرة لتكون بمثابة هدنة مؤقتة لمدة 60 يوماً لشراء الوقت السياسي، مقايضةً بسيطةتتوقف إيران عن إستهداف الملاحة في مضيق هرمز، وتسمح واشنطن لطهران ببيع كميات من النفط وإستعادة عوائده،لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفاً؛ فالصراع يحكمه منطق الجغرافيا وضغط التوازنات الكبرى،المذكرة تجنبت القضايا العميقة، فلم تلمس برنامج إيران النووي، ولا مسألة الرسوم في هرمز، ولا المليارات المجمدة، المباحثات الفنية بالكاد بدأت ثم تجمدت تماماً، خلال الأيام القليلة الماضية، إستُهدفت ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، فوجهت القيادة المركزية ضربة هائلة شملت أكثر من 80 هدفاً داخل إيران مواقع صواريخ، شبكات قيادة، وزوارق سريعة،لم تتأخر طهران فى الرد، إذ أطلق الحرس الثوري مسيراته وصواريخه بإتجاه القواعد الأمريكية في البحرين والكويت، معلناً أن أي بقعة تُستخدم لضرب إيران هي هدف مشروع،هنا نرى أن الهدنة لم تكن جسراً للسلام، بل كانت إستراحة محارب في حرب ممتدة،لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: لماذا إختار ترامب منبر الناتو في أنقرة ليعلن رصاصة الرحمة على المسار الدبلوماسي مع إيران؟ترامب لم يذهب إلى أنقرة ليتحدث عن الأمن الجماعي، بل ذهب ليحاسب حلفاءه، هو يشعر بالمرارة لأن الدول الأوروبية بإستثناء بريطانيا رفضت فتح أجوائها وقواعدها للطائرات الأمريكية لضرب إيران، من هنا، جاء إعلانه ليعبر عن غضبه من الناتو الذي وصفه سابقاً بـ نمر من ورق، لقد أراد ترامب أن يقول للأوروبيين: أنتم ترفضون مساعدتنا ضد الراعي الأول للإرهاب، وأنا أضعكم الآن أمام الأمر الواقع؛ الحرب عائدة، وعليكم تحمل التبعات والإنفاق العسكري، وهو ما تجلى في هجومه الحاد على إسبانيا وتهديده بقطع التجارة معها لعدم وفائها بنسب الإنفاق العسكري المطلوبة،تركيا تعيش في قلب هذه العاصفة؛ فهي جارة لإيران، وعضو في الناتو، وترتبط بعلاقات معقدة مع واشنطن، حضور ترامب إلى أنقرة تلبية لدعوة شخصية من الرئيس رجب طيب إردوغان يمثل مكافأة سياسية للرئيس التركي الذي راهن على فوز ترامب وسعى لـ تحصين القمة، ترامب أراد من هذا المنبر تحديداً أن يبعث برسالة قوية لروسيا وإيران، مفادها أن الجناح الشرقي للناتو، ورغم التباينات، يظل تحت المظلة والنفوذ الأمريكي، وأن تركيا أصبحت منصة لإعلان التحولات الكبرى في السياسة الدولية،عندما تنتهي الدبلوماسية، يبدأ منطق السلاح، والشرق الأوسط الآن يقف على حافة مرحلة جديدة شديدة الخطورة،فنحن لسنا أمام غزو بري شامل، بل أمام نمط جديد من الحروب؛ ضربات أمريكية عنيفة ومكثفة تستهدف شل القدرات الإيرانية، يقابلها رد إيراني عبر الصواريخ والمسيرات وحرب العصابات البحرية وهجمات الوكلاء الإقليميين، وترامب نفسه أكد بوضوح لقد ضربناهم بقوة الليلة الماضية، وعلى الأرجح سنضربهم بقوة الليلة أيضاً.
مضيق هرمز هو شريان الحياة للإقتصاد الدولي.
ومع إلغاء الإعفاءات النفطية وعودة التصعيد، فإن أسعار النفط مرشحة لقفزات جنونية، مما يضع الإقتصاد العالمي، والأوروبي على وجه الخصوص، في مأزق خانق،القواعد الأمريكية في الخليج باتت في مرمى النيران المباشرة، مما يفرض على دول المنطقة خيارات أحلاها مر؛ فإما الإنخراط في جبهة التصدي لإيران، أو محاولة البحث عن مسارات تهدئة منفردة لتجنب شظايا الإنفجار الكبير،إن القراءة المتأنية لمشهد أنقرة تخبرنا أننا لا نواجه مجرد تراجع عن إتفاق، بل نحن أمام تحول بنيوي في العقيدة السياسية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط؛ عقيدة تقوم على الحسم بالقوة وتفكيك التفاهمات الرمادية،لقد أثبتت الأسابيع الثلاثة الماضية أن التناقضات بين واشنطن وطهران هي تناقضات وجودية وإستراتيجية أكبر من أن تحتويهما ورقة تفاهم مؤقتة، وفي غياب خطوط رجعة دبلوماسية، فإن المنطقة برمتها تسير وعيونها شاخصة نحو المجهول، في صراع يبدو أن فتيله قد إشتعل هذه المرة من هضبة الأناضول، ليمتد لهيبه إلى مياه الخليج وما بعدها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك