في الليالي الكروية الكبرى، تتغير إيقاعات المدن، المقاهي تمتلئ قبل الموعد بساعات، الشوارع تهدأ تدريجيًا، العيون تتجه إلى الشاشات، والبيوت تتحول إلى مدرجات صغيرة، لكن هناك أماكن لا يحق لها أن تدخل في هدنة مع الألم، ولا أن تؤجل وجعًا إلى ما بعد صافرة النهاية.
الطوارئ واحدة من هذه الأماكنفي ليلة مباراة مصر والأرجنتين، لم تكن القاهرة كلها أمام الشاشات، كان هناك من يقف أمام شباك تذاكر في مستشفى، يحمل بطاقة شخصية ووجعًا لا يعرف نتيجة المباراة، كان هناك من يسند ذراعه المصابة، ومن يمسك ببطنه من شدة الألم، ومن يجلس على الأرض لأن قدميه لم تعودا قادرتين على الانتظار.
في الخارج، كان الجمهور ينتظر هدفًا، وفي الداخل، كان المرضى ينتظرون دورًا، رصدت “تليجراف مصر” ما يحدث داخل طوارئ مستشفى قصر العيني، أحد أكثر المستشفيات ازدحامًا واستقبالًا للحالات، بحثًا عن إجابة لسؤال بسيط: ماذا يحدث داخل الطوارئ في وقت تنشغل البلاد كلها تقريبًا بمباراة مصيرية؟الباب الأول.
" ده باب الدكاترة"ما إن وصلنا إلى مدخل قسم الاستقبال والطوارئ حتى استوقفنا أحد الموظفين: " إنتوا عايزين إيه؟ "، أجابناه: “هناك حالة أُغمي عليها وتحتاج إلى كشف”، لم يفتح الباب، ولم يسأل عن تفاصيل طبية إضافية، لكنه أشار إلى المدخل وقال: " مينفعش تدخلوا من هنا.
ده باب الدكاترة، باب المرضى من الناحية التانية، ولازم الأول تقطعوا تذكرة".
هكذا تبدأ الطوارئ أحيانًا: ليس بسؤال عن الألم، بل عن الباب الصحيح، التففنا حول المبنى، الطريق طويل بما يكفي ليشعر المريض أن الوصول إلى الطبيب ليس خطوة واحدة، بل سلسلة من الاختبارات الصغيرة: باب، وموظف، وشباك، وطابور، وتذكرة، ثم انتظار جديد.
كان الوقت يقترب من السابعة مساءً خارج أسوار المستشفى، كانت المقاهي تستعد للمباراة، شاشات كبيرة، ومقاعد تُحجز مبكرًا، ومناقشات حول التشكيل وفرص الفوز.
في المقابل، كان محيط الطوارئ مزدحمًا بوجوه لا علاقة لها بالكرة، فقط كل ما يشغل بالهم، إما الحصول على كشف، أو إجراء أشعة، أو أخذ حقنة، أو فرصة لحجز سرير، أو حتى رد على سؤال من خلف شباك.
شباك مجاني.
وعشرة جنيهات قبل التذكرةعند الثامنة تقريبًا، أمام شباك تذاكر مستشفى الاستقبال والطوارئ، كان الطابور متكدسًا لا يتحرك بالمعنى الحقيقي يخرج شخص منه فيحل مكانه آخر، فتظل الكتلة كما هي.
بعض المرضى جلسوا على الأرض، آخرون التصقوا بالحائط، مرافقون يمسكون بأوراق وبطاقات شخصية، وعيونهم معلقة على حركة يد الموظف خلف الزجاج.
خلف الشباك، جلس ثلاثة أشخاص، طبيبة شابة تسأل كل مريض عن شكواه وتكتبها على التذكرة، وموظفان يتوليان تسجيل البيانات واستلام البطاقات، بينما كان يعلو الشباك لافتة مكتوب عليها: " تذاكر الكشف مجانية".
لكن المشهد أسفل اللافتة كان يقول شيئًا آخر، قبل أن تصل التذكرة إلى يد المريض، كانت ورقة نقدية من فئة العشرة جنيهات تدخل إلى الشباك.
إلى جوار دفتر التذاكر، كان هاتف محمول مسندًا يعرض المباراة، لم تكن شاشة كبيرة، لكنها كانت كافية لتقسيم انتباه الموظف بين الملعب والطابور، عين على الهاتف، وأخرى على البطاقات، هدف محتمل هناك، وحالة تنتظر هنا.
أمام الشباك، كان رجل يشكو تورمًا شديدًا في ساقيه وآخر يمسك ببطنه ويئن وشاب يسند مريضًا مصابًا في ذقنه وسيدة ملقاة على الأرض، يحاول مرافقوها استعجال أي خطوة.
ثم سجل المنتخب المصري هدفه الثاني.
في لحظة واحدة، تغير صوت المكان، قفز الموظف من مقعده صارخًا: " جوووون.
جوووون.
جوووون".
لم يكن الصوت قادمًا من مقهى أو مدرج، بل من خلف شباك الطوارئ، أمامه مرضى ينتظرون إنهاء إجراءات الدخول، لم ينتظر الواقفون في الطابور طويلا، حتى خرجت صرخة من أحد المرضى، لا تشبه صرخات التشجيع: " جون إيه؟ إحنا بنموت".
ورفع شاب ذراعه بصعوبة، وقال: " يا عم جون إيه رد على الناس.
عايز أعمل أشعة على إيدي، مش قادر أحركها"، وتدخلت سيدة ترافق أحد المرضى: " رد عليهم.
خلينا نشوف اللي بعده"، لكن الموظف ابتسم وهو ينظر إلى الطابور، وقال بحماس: " اتنين.
صفر لمصر".
كأن النتيجة هي المعلومة التي ينتظرها الجميع، لم يكن أحد من الواقفين ضد الفرح، لكنهم كانوا ضد أن يسبق الفرح وجعهم.
" أبو مكة جاب جون".
والحالة على الأرضلم تمض دقائق حتى اهتزت الشباك مرة ثالثة بهدف ظنه المتابعون صحيحًا في البداية.
قفز الموظف مرة أخرى: " أبو مكة.
أبو مكة جاب جون"، في اللحظة نفسها، كانت سيدة تطلب تذكرة، وكان شاب يشير إلى حالة على الأرض ويقول: " لو سمحت.
الحالة بتتمرمغ في الأرض.
عايزة تذكرة"، لكن الهتاف استمر: " أبو مكة.
أبو مكة".
ثم أُلغي الهدف، فعاد الهدوء إلى شاشة الهاتف، لكن الاضطراب أمام الشباك لم يهدأ.
هنا، لا تلغي تقنية" الفار" ألمًا، ولا تعيد صافرة الحكم دقيقة ضاعت على مريض.
المباراة لها حكم يراجع اللقطة، أما الطابور فلا يراجعه أحد.
بعد ما جرى أمام الشباك، كان لا بد من الدخول لمعرفة ما إذا كانت حالة الانشغال بالمباراة ممتدة إلى داخل القسم أم أنها توقفت عند نقطة التذاكر.
وقفنا في الطابور مثل بقية المرضى، قطعنا تذكرة لقسم الباطنة.
سجلت الطبيبة الشكوى، ودون الموظف البيانات، ثم تسلمنا التذكرة.
أمام بوابة قسم الاستقبال والطوارئ، اصطف عشرات المرضى وذويهم في انتظار السماح لهم بالدخول، في البداية، رفض الموظف دخول مرافق، ثم سمح بذلك بعد دقائق.
داخل الصالة، بدا المشهد مختلفًا عن فوضى الشباك، المكان أكثر هدوءا، وإن لم يكن خاليًا من الضغط، ممرضتان على مكتب الاستقبال الداخلي تستمعان إلى الشكاوى وتوجهان الحالات، وفردا أمن أمام غرفة الطوارئ ينظمان الدخول والخروج ومريض يدخل، وآخر يخرج، وثالث ينتظر.
مرضى على مقاعد الانتظار بعضهم ممدد من التعب وآخرون على كراسى متحركة ومرافقون يراقبون الباب بعين لا تغفل، وفي أثناء المراقبة، خرج أحد الأطباء من غرفة داخلية ممسكًا بهاتفه المحمول، وكانت شاشة المباراة ظاهرة عليه، ثم عاد إلى الداخل، لقطة قصيرة كانت كافية لإثارة سؤال: متى تكون متابعة المباراة تفصيلة عابرة، ومتى تصبح مؤشرًا على خلل في إدارة وقت الطوارئ؟سألنا والدة أحد المرضى، وكانت قد خرجت للتو من الداخل، عما إذا كانت المباراة أثرت على الكشف داخل القسم.
قالت بوضوح: " لا.
جوه بيكشفوا عادي، الدكاترة موجودين وبيشتغلوا".
كانت هذه الشهادة ضرورية، لأنها تمنع اختزال الصورة في مشهد واحد، ما رصد أمام شباك التذاكر لا يعني أن الأطباء داخل غرفة الطوارئ توقفوا عن العمل، وما قالته المرافقة يؤكد أن الكشف كان مستمرًا، وأن داخل القسم بدا أكثر تنظيمًا من الخارج.
حاولنا الدخول إلى غرفة الطوارئ، لكن الممرضة قالت بهدوء بعد قياس الضغط: " أنا قستلك الضغط.
وضغطك كويس.
مش محتاجة تدخلي الغرفة، لأن اللي بيدخل حوادث وإصابات خطرة، ولو دخلتي هتتبهدلي".
كانت الجملة كاشفة داخل الغرفة، الأولوية للحوادث والإصابات الخطرة، وهذا منطقي في أي نظام طوارئ، لكن خارج الغرفة، هناك مساحة رمادية: مرضى لا يدخلون فورًا، ولا يشعرون أن أحدًا يطمئنهم بوضوح بين" حالتك ليست خطرة" و" انتظر حتى يأتي دورك"، قد يتراكم خوف كبير.
مشادة على الباب.
ضغط على الجميعخلال الانتظار، اندلعت مشادة بين أحد مرافقي المرضى وعاملة نظافة خرجت من غرفة الطوارئ، بعدما طالبتها بسرعة التعامل مع الحالة ردت العاملة، بحدة: " هو إحنا خدامين عندك؟ "بعد انتهاء المباراة، شوهد نحو خمسة أطباء قادمين من الخارج يدخلون غرفة الطوارئ، كان المشهد لافتًا، لكن لا يمكن الجزم بأنهم كانوا يشاهدون المباراة أو تركوا المرضى، قد يكون الأمر مرتبطًا بتغيير نوبة عمل، أو استراحة، أو مهمة أخرى.
ليلة المباراة لم تكن أزمة كرةانتهت المباراة، خرجت النتيجة إلى نشرات الرياضة، لكن في ذاكرة الذين وقفوا أمام شباك التذاكر، بقيت جملة واحدة أكثر حضورًا من النتيجة: " جون إيه؟ إحنا بنموت".
ليلة مصر والأرجنتين كانت مباراة في الملعب.
لكن أمام شباك الطوارئ، كانت هناك مباراة أخرى، لا جمهور لها، ولا معلق، ولا إعادة بطيئة.
مباراة بين الوجع والانتظار.
" الأفكار المبدعة" تقود المستقبل الأخضر بـ قصر العيني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك