بيديها العاريتين، ووجه أنهكه الانتظار والحزن، تنحني السيدة الفلسطينية أم عطا فوق ركام منزلها في مخيم البريج وسط غزة، لا تحمل في يدها أداة ولا شيئا سوى الرجاء، كأنها تحاول أن تقنع الأرض أن ترد ما أخذته، وأن تكشف لها ما أخفته تحت طبقات الخراب.
لم تعد تبحث عن بيتها الذي كان يوما يضم الضحك والخبز وصوت الأبناء، بل تبحث عنهم هم، عن رفات أبنائها الأربعة الذين غيبتهم الحرب الإسرائيلية على غزة، وتركوا خلفهم فراغا لا يملأ وصمتا ينهش قلبها كل لحظة، حيث تؤكد أن كل حجر تزيحه من مكانه يشعرها وكأنه يسقط على صدرها، وإن كل حفنة تراب ترفعها تعيد فتح جرح لا يلتئم.
وبحسب الإحصائيات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومى بغزة في 2 يوليو الماضي، فإن مجموع الشهداء الذين وصلوا إلى المستشفيات منذ بدء حرب الإبادة وصل إلى73,066 وهناك 9,500 مفقود، منهم شهداء مازالوا تحت الأنقاض، أو مصيرهم مازال مجهولا، وكذلك أكثر من 39 ألف أسرة تعرضت للمجازر بينهم 2700 أسر أُبيدت ومسحت من السجل المدني بعدد 8,574 شهيدا، و6020 أسرة أُبيدت ومُتبقي منها ناجي وحيد بعدد 12,917 شهيدا.
تنادي أبناءها بأسمائهم، كما لو أنهم ما زالوا قريبين، كما لو أن الصوت قادر على اختراق الركام وإعادتهم للحياة، لكن لا أحد يجيب، لا صدى إلا صمت ثقيل يلف المكان، ولا رد إلا غبار يتصاعد ثم يعود ليغطي يديها وملامحها المتعبة، في كل مرة تنحني فيها، كأنها تنحني أكثر نحو فقدها، لا نحو الأرض.
80 % من سكان غزة فقدوا منازلهمويؤكد وكيل وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، رياض البيطار، أن أكثر من 80% من سكان غزة فقدوا منازلهم جراء حرب الإبادة، موضحا أن الحرب خلفت أكثر من 75 ألف يتيم فقدوا أحد والديهم أو كليهما.
ويضيف، أن أكثر من 68 ألف ناج وحيد، بينهم قاصرون وبالغون، و45 ألف أرملة في غزة، منهن 28 ألفا ترملن خلال الحرب الأخيرة، بينها نحو 8 آلاف حالة منذ 7 أكتوبر 2023.
ويشير" البيطار"، إلى أن نحو مليون فلسطيني، أي قرابة نصف سكان القطاع، يقيمون في مراكز النزوح، و النصف الآخر يعيش خارج مراكز الإيواء الرسمية، بينما لا تتجاوز نسبة المقيمين في منازل متضررة أو متهالكة 10%، وهي مساكن لا توفر الحد الأدنى من الحماية.
تلمس التراب بحذر وارتجاف، تبحث عن أي أثر صغير، قطعة من ثوب، أو بقايا لعبة، أو خصلة شعر كانت يوما تلمسها وهي تعدل لهم ملابسهم قبل الخروج، لكن ما يواجهها هو خرسانة مكسورة وحديد ملتوي وركام لا يعرف الرحمة، كأنه أغلق على الأسرار إلى الأبد.
تشير إلى أن الخرسانة لا ترحم، والزمن لا يعيد من رحلوا، لكن قلب الأم لا يتوقف عن المحاولة، حتى لو خسر العالم كله الأمل، في لحظات الصمت، لا ترى أمامها إلا وجوه أبنائها كما كانت ضحكاتهم، خطواتهم في البيت، وأصواتهم التي كانت تملأ المكان حياة، ثم يعود المشهد أمامها قاسيا، بيت بلا سقف، وأم بلا أبناء.
وبحسب إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومى بغزة، فإن إجمالي عدد المباني المتضررة وصل إلى 227,703، وهناك 510,000 وحدة سكنية متضررة، بينهم 335,000 مبنى ووحدة سكنية دمرها الاحتلال بشكل كلي، و75,000 مبنى ووحدة سكنية تضررت بشكل جزئي غير صالح للسكن، و410,000 إجمالي المباني والوحدات السكنية الهدم الكلي وغير الصالح للسكن، وأكثر من 100 ألف وحدة دمرتها إسرائيل بشكل جزئي صالح للسكن.
وفي الخلفية، يمتد مشهد أكبر من بيتها المهدم، مدينة كاملة من الركام، وأمهات أخريات ينحنين فوق أنقاض تشبه حكاياتهن، خلف كل جدار سقط، أم تبكي بصمت، وخلف كل طفل غاب تحت الأنقاض، حكاية لم تكتمل، وصوت لم يُسمع، واسم ما زال عالقًا بين الحياة والموت.
تدرك أم عطا، كما يدرك من يشبهونها في هذا المكان، أن ما يبحثن عنه ليس مجرد رفات، بل نهاية يمكنها أن تمنحهن بعض الطمأنينة، بعض اليقين وسط هذا الغياب القاسي.
فالغموض هنا أقسى من الموت نفسه، والانتظار الطويل يتحول إلى شكل آخر من العذاب.
ورغم ذلك، لا تتوقف، تنحني مرة أخرى، تزيح حجرا آخر، وتتمتم بأسماء أبنائها وكأنها صلاة لا تنتهي، وبين الركام وصمت العالم، يبقى سؤالها معلقا بلا إجابة" كيف يمكن للأم أن تُنهي بحثها إذا كان كل ما تبقى منها هو هذا البحث؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك